صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٤٦ - الفائدة الثالثة في دلالة المعجزة على صدق المدعي
نفس المدّعي في حالاته و آدابه و أخلاقه و معاملاته، فإنّه أحسن دليل على أنّ فعله الخارق معجز أو سحر، و ليس هناك ضابط كلّي يتكفّل امتيازه عنه، و لعله لأجل ذلك التجأ الكفار إلى نسبة معاجز الأنبياء إلى السّحر؛ إذ لو كان هناك ضابط كلّي ظاهر لن يتجرأوا عليها كما لا يخفى.
ثم إنّ المعجزة إما تحتمية، و هي ما يتوقف عليها إثبات النبوّة و إتمام الحجة و قطع المعذرة.
و إمّا تفضّلية ابتدائية يظهرها النبي تأكيد لأمره و تقريراً لاطمئنان أمّته.
و إمّا اقتراحية يطلبه الناس و الذي يجب إجراؤه عقلًا هو الأول دون الأخيرين.
الفائدة الثالثة: في دلالة المعجزة على صدق المدّعي
لا شكّ في عدم حكم العقل بصدق كلّ خبر و أمر يدّعيه مدّع، بل الشيء- إذا لم يكن ضرورياً- محتاج إلى بيّنة و برهان في إثباته، سواء في الأبحاث العلمية أم في الأمور الخارجية؛ و لذا استمرت سيرة العقلاء في باب اللجاج و الاحتجاج على إقامة البرهان و طلب البيّنة، فمن يدّعي أنّه رسول من قبل الله تعالى إلى الناس لا بدّ له من استخدام شاهد على ذلك، و هذا الشاهد لا يمكن إلا بإثبات أنّ الله ذلّل له بعض قوى عالم الطبيعة و سخّره له، و جعله تحت يده بحيث يمكنه التصرف فيه بما لا يمكن لأمثاله من أفراد نوعه، فيكون ذلك دليل صدقه في كلامه.
و من أقرب التمثيلات أخبار الإذاعة الحكومية بأن فلاناً عيّن موظّفاً كذائياً في محل كذا، فإنّ الشعب بمجرد استماعه يوقنون به؛ إذ الإذاعة تحت سلطة الحكومة، و لا يمكن نشر خبر إلّا بإذنها، فإذا أذيع خبر نصف الموظّف المذكور فهو يكشف قطعاً عن وقوع ذلك و أن الحكومة عيّنته كذلك.
فالمعجزة كما تكون برهاناً على نبوّة النبي كذلك دليل على وجود الواجب القديم.
فما يقوله المشككون في هذا العصر من أن الوحي تجربة نبوية لشخص النبي، فلا لنا من تقييمها، ثمّ يوسوسومن في ذلك، حتى يئول كلامهم إلى أن القرآن من ألفاظ النبي، و إنّما الوحي المعاني الكلية، ثم انجر الأمر إلى أن ادّعى بعضهم أن القرآن لفظاً و معنى من النبي دون وحي من الله تعالى. و هذا هو إنكار الأديان الإلهية من أصلها و إلحاد لا ريب فيه.
و خلاصة الكلام: إن وحي الله إلى النبي و إن لم يكن محسوساً لنا، و لا مورد التجربتنا، لكنّ المعجزة- على ما بيّناه- دليلًا قاطعاً- عليه، فماذا بعد الحق إلا الضلال.
نعم، من أنكر تبعيّة أفعال الله للأغراض لا يمكنه إثبات دلالة المعجزة على صدق النبي كما بيّناه في الجزء الثاني.