صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٣٤٧ - الباب العاشر في نفي الغلو و التفويض
أقول: كلّ ما ورد من أوصاف النبيّ و الأئمة (عليهم السلام) بطريق صحيح معتمد، و لم يكن له معارض من العقل و النقل نأخذ به و نلتزم به، فإنّهم قوم معصومون، و قولهم حجّة كما تقدّم. و أمّا إذا لم يثبت كذلك، فإن كان مخالفاً للعقل أو النقل فلا نقول به، بل نعتقد عدمه، و إن لم يكن مخالفاً لهما كما إذا ورد- بأسناد ضعيفة- أو قال أحد من العلماء باتّصافهم (ع) بأمر ممكن عقلًا و نقلًا لا نردّه و لا نقبله؛ لعدم الدليل. و النبيّ الأكرم و أوصياؤه (عليهم السلام) و إن كانوا أفضل ما سوى الله و لهم فضائل عظيمة و مناقب عجيبة غريبة، بل ورد في بعض الأخبار: لا نقولوا فينا ربّا، و قولوا فينا ما شئتم»[١]، لكن كلّ ذلك لا يوجب التفوّه بكلّ ما يراد، و أن يخترع الإنسان من عند نفسه أموراً- و لو ممكنة- و يثبتها لهم (عليهم السلام) فإنّه من القول الزور و الكذب المحرّم، بل هو مرتبة من الغلو الباطل.
و أمّا حكم الغلاة و المفرطين فمن حيثيّة النجاسة و الطهارة فلا بحث لنا عنه، فإنّه من مسائل الفقه و شؤون الفقيه، و من حيثيّة الكفر و الإسلام و دخول النار و خلوده، فلعلّنا نتكلّم فيه في بعض بحوث المعاد إن شاء الله الرحمن.
و أمّا التفويض فله مراتب مختلفة و معانٍ متعددة:
١- التفويض في الأفعال على نحو زعمه المعتزلة في قبال الجبريّة، و قد تقدم إبطاله في الجزء الثاني مفصّلًا، و هذا غير مختصّ بالأئمة (عليهم السلام) كما ليس بسرّ.
٢- تفويض الخلق و الرزق و الإماتة و الإحياء إلى النبيّ الأكرم (ص) و الأئمة الكرام كما نسب إلى قوم، و يظهر من بعض الأخبار أيضاً أنّ به قائلين، فإن أريد به استقلالهم فيها بلا إمداد من الله تعالى فهو ممتنع عقلًا، ضرورة افتقار الممكن إلى الواجب آناً في وجوده و صفاته و أفعاله. و إن أريد أنّ الله هو الذي يفعل هذه الأمور عند إرادتهم لتلك الأمور، فإن أريد بنحو الموجبة الجزئية فلا مانع عنه إن دلّ عليه دليل، بل هذا هو معنى المعجزة بعينها.
و لا شكّ في مذهب الإمامية أنّ النبيّ و الأئمة (عليهم السلام) يصحّ منهم صدور المعجزات، بل صدور المعجزات من الأئمة- في الجملة- قطعي لا يقبل الإنكار، و أمّا صدورها عن النبيّ الأكرم (ص) فهو ضروري في دين الإسلام.
و إن أريد بنحو الموجبة الكلّية فهو و إن كان ممكناً عقلًا، لكنّه مقطوع العدم، فإنّا نعلم بعدم استناد جميع الحوادث إلى إرادة النبيّ و الأئمة (عليهم السلام) و لو بتبع إرادة الله تعالى هذا مضافاً إلى
[١] - و هو أربع روايات بمختلف ألفاظها على ما ظفرت عليها حسب تتبّعي، لكن كلّها ضعيف سنداً فلاحظها في البحار ٧/ ٢٤٦- ٢٥٠. و لو كانت صحيحة سنداً لما قلت بوفقها أيضاً كما لا يخفى، و لا يظنّ بفاضل يرتضي بها و يعمل بمقتضاها.