صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٣٣١ - الموقف الخامس في تعيين أفضل الأمة بعد النبي الأكرم
بل على الإجماع المزعوم، بل ذكروا أنّ الأفضليّة ظنّية غير قطعية[١].
و هذا يكشف عن عدم اطمئنان قلوبهم بها و عن اعتقادهم بمجعوليّتها و اختراعها.
٤- ما في المواقف و شرحها[٢]: لكنّا وجدنا السلف قالوا بأنّ الأفضل أبو بكر، ثمّ عمر، ثمّ عثمان، ثمّ عليّ. و حسن ظنّنا بهم يقتضي بأنّهم لو لم يعرفوا ذلك لما أطبقوا عليه، فوجب اتّباعهم في ذلك و تفويض ما هو الحقّ إلى الله تعالى، و هذا في حكم التوقّف عن القول بالأفضليّة.
و قال التفتازاني في شرح العقائد لعمر النسفي: و على هذا وجدنا السلف، و الظاهر أنّه لو لم يكن لهم دليل على ذلك لما حكموا بذلك و قال بعد أسطر: و كأنّ السلف كانوا متوقّفين في تفضيل عثمان رضى الله عنه، انتهى.
أقول: فاصل خلافة أبي بكر و أفضليّته مأخوذان من عمل السلف فقط، و الفرق أنّ الأوّل أصبح قطعيّاً و الثاني ظنّياً، و لا تسأل عن فارقه فإنّ القوم أيضاً متحيّرون فيه! و لم و لن يتمكّنوا من إثباته.
هذا، و قد عرفت منّا سابقاً أنّ عمل السلف لا يكون حجّة على غيرهم و لو فرضناهم صالحين. فإنّ قول الثقة حجّة في الأخبار الحسيّة، دون المسائل الحدسية، كما قرّر في أصول الفقه.
ثمّ لا أدري أين اتّفاق السلف على قولهم؟ و في المسألة أقوالًا متعدّدة كما مرّ، و هذا ابن حزم ينسب أفضليّة أبي بكر إلى بعض أهل السنّة، كما سلف نقله و ينقل هو و غيره عن خلق كثير من الصحابة و التابعين و غيرهم عن الشيعة و العامّة أفضليّة عليّ (ع).
و هذا ابن عبد البرينص[٣]: إنّ السلف اختلفوا في تفضيل أبي بكر و عليّ رضي الله عنهما، و نقل أيضاً عن سلمان و أبي ذر و المقداد و خباب و جابر و أبي سعيد الخدري و زيد بن أرقم: أنّ عليّاً أوّل من أسلم، و فضّله هؤلاء على غيره، انتهى.
فتحصّل من جميع ذلك أنّه لا دليل على أفضليّة أبي بكر أصلًا سوى العصبية البغيضة التي ولّدتها سقيفة بني ساعدة و ربّتها السياسة الأموية.
[١] - راجع الفصل الأوّل من الباب الثالث من الصواعق المحرقة تجد صدق ما قلنا من ملاحظة كلماتهم. قال ابن حجر: إنّ المجمعين أنفسهم لم يقطعوا بالأفضليّة المذكورة و إنّما ظنّوها فقط كمان هو المفهوم من عبارات المسألة و إشاراتهم، انتهى.
[٢] - المواقف و شرحها ٣/ ٢٧٩.
[٣] - كما في الصواعق المحرقة/ ٥٦.