صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٣١٣ - تحقيق حول علم الغيب
و ما نقل أمير المؤمنين (ع) و رووا عنه الخاصّ و العامّ من الأخبار بالغائبات. فإنّ جميع ذلك متلقى من النبيّ (ص) مما أطلعه الله عليه فلا معنى لنسبة من روي عنهم هذه الأخبار المشهورة إلى أنّه يعتقد كونهم عالمين بالغيب، و هل هذا إلّا سبّ قبيح و تضليل لهم، بل تكفير؟ انتهى.
أقول: النزاع هنا لفظي و ليس بمعنوي؛ إذ لا شكّ أنّ النبيّ و الأئمة (عليهم السلام) يعلمون ما غاب عن مشاعر الناس و لو في الجملة، و هذا ممّا لا يمكن التشكيك فيه في مذهب الإمامية، كما أنّه لا شكّ في أنّ علمهم هذا حادث و مفاض عليهم من قبل الله تعالى، و هذا ضروري في دين الإسلام، فإن ثبت أنّ الاصطلاح- في شرع الإسلام أو عرف المتشرعه- انعقد على عدم إطلاق «علم الغيب» إلّا على العلم الذاتي فلا مناصّ عمّا ذكره هذان العلمان. و إن لم يثبت الاصطلاح المذكور فلا شكّ في جواز إطلاق علم الغيب على علومهم لغة و واقعاً.
و بعض الأخبار يدلّ على الاصطلاح المذكور ففي موثّقة عمّار[١] قال: سألت أبا عبد الله (ع) عن الإمام يعمل الغيب؟ فقال: لا، و لكن إذا أراد أن يعلم الشيء أعلمه الله ذلك. و أظهر منها رواية مغيرة المتقدّمة و غيرها[٢]. و لكن من خالف الاصطلاح المذكور لا جناح عليه، فإنّ العبرة بالمعاني دون الألفاظ.
تحقيق حول علم الغيب
العلم البشري، أما حضوري و أما حصولي، و الأوّل حضور ذات الشيء و الثاني حضور صورته وماهيته و على الأظهر عندي مفهومه، فلا بدّ من فرض وجود شيء حتّى يحضر عند النفس في العلم الحضوري و وجود صورته أو مفهومه عند النفس في العلم الحصولي و هذه الصورة أو المفهوم يؤخذ من وجود الشيء و لا علم ثالث للإنسان العادي و عليه علم الإنسان بالغيب محال عقلًا، و إنّما الغيب لله تعالى وحده الذي علمه ليس بحصولي و لا بحضوري، كما مرّ في الجزء الأوّل من هذا الكتاب. هذا من جهة.
و من جهة ثانية ان الغيب أمر نسبي، فإن مأكول زيد في البارحة مشهود له و لمن حضر السفرة و غيب لمن كان غائباً عنهم و عن سفرة الطعام و لكن إذا أخبر الأكل عن نوع مأكوله في البارحة أحداً و لم يخبر غيره فهو عند الغير من الغيب و عند ذلك الواحد بعد الإخبار من المشهود، فإذا قيل أن هذا الواحد عالم الغيب، فهو ليس إلا غيباً مجازياً أي بالنسبة إلى
[١] - أصول الكافي ١/ ٢٥٧.
[٢] - لاحظ أصول الكافي ١/ ٢٥٦ و ٤٥٧،( الطبعة الحديثة).