صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٣٠٦ - تفصيل و تحقيق
انتهى كلامه.
أقول: الإمام كما يعلم سبب شهادته و زمانها كذلك يعلم أنّ عمره الطبيعي قد انصرم، و لم يقدر الله له الحياة بعد الوقت المذكور فإقدامه على ما يسبب شهادته، لا يكون من ارتكاب الضرر الممكن دفعه قال الله تعالى: (أَيْنَما تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ)[١] و قال تعالى: (فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَ لا يَسْتَقْدِمُونَ)[٢]. بل لا ضرر و إنّما هو من الإقدام على تحصيل النفع الأبدي و زيادة الدرجات الأخروية، و إنّما الواجب هو حفظ النفس عن التهلكة إذا علم العاقل إمكان دفعها أو احتمل ذلك، و إلّا فالتحفّظ يكون لغواً و سفاهة، و من هذا يظهر أنّ ما ذكره الاستربادي ضعيف جداً.
و في رواية عبد الله الطويلة قال: دخلت على الفضل بن ربيع فلمّا كانت الليلة الرابعة قدّمت إليه- أي إلى موسى بن جعفر (ع)- مائدة للفضل بن يحيى، قال فرفع يده إلى السماء فقال: «يا ربّ إنّك تعلم أنّي لو أكلت قبل اليوم كنت قد أعنت على نفسي قال: فأكل فمرض» إلخ فالإشكال المذكور غير مبتن على أساس علمي أصلًا، و إنّما يلائم مذاق العوام و أفكارهم، فإنكار وجوب دفع الضرر الذي هو من أحكام الفطرة الخالصة لأجل الفرار عنه غريب جداً.
نعم، في رواية الحسن غير المعتبرة سنداً[٣]، قال: قلت للرضا (ع): إنّ أمير المؤمنين قد عرف قاتله، و الليلة التي يقتل فيها و الموضع الذي يقتل فيه. و قد عرف أنّ ابن ملجم لعنه الله قاتله بالسيف، كان هذا ممّا لم يجز تعرضه، فقال (ع): ذلك كان، و لكنه خير[٤] في تلك الليلة لتمضي مقادير الله عزّ و جلّ لكنّها مع ضعفها سنداً معارضة بما مرّ من رواية إبراهيم الدالّة على إنساء الكاظم (ع)[٥] و ما دلّ على غيبة الروح عند ذلك الحين.
و حقّ الجواب أنّه و إن خير إليه الإبقاء و قبول الشهادة احتراماً له لكنّه ما يشاء إلّا ما يشاء الله، و لم يشأ الله له إلّا الشهادة التي هي أحسن و أنفع و أروح من حياته بدرجات.
الفائدة الثانية عشرة: قال شيخنا المفيد في شرح عقائد الصدوق[٦]: فأمّا ما ذكره أبو
[١] - النساء ٤/ ٧٨.
[٢] - الأعراف ٧/ ٣٤.
[٣] - أصول الكافي ١/ ٢٥٩.
[٤] - في بعض النسخ حير بإهمال الحاء، و عليه فالرواية موافقة لرواية إبراهيم المتقدّمة؛ لأنّ التحيير قريب من الإنساء.
[٥] - و لابن إبراهيم رواية مرسلة أخرى دالّة على الإنساء البحار ٧/ ٤٢٠.
[٦] - شرح عقائد الصدوق/ ٦٣، الطبعة الحديثة.