صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٣٠٣ - تفصيل و تحقيق
و الذي أراه في دفع هذا التنافي هو حمل النوع الأوّل على تمكّنهم (عليهم السلام) من النظر و الرؤية، و أنّه إذا شاؤوا ذلك. و لو على البدل- لرأوا. لا على الفعليّة و الوقوع، فإنّها بعيدة، بل لعلّها غير ميسورة لهم (عليهم السلام) و كيف يصحّ لممكن ماديّ أن لا يشغله شأن عن شأن؟ فلا يمنعه التوجّه إلى عمل عامل في الشرق عن الالتفات إلى حركة متحرّك في الغرب أو يكون ناظراً إلى جميع ما يصدر من المكلّفين و هو يتكلّم مع أهله أو أصحابه، أو نائم على فراشه أو مشغول بالمناجات مع ربّه؟! و لا دليل يفي بهذا الحدّ من الالتفات حتّى الروايات الواردة في روح القدس الذي يؤيّد الأئمة (عليهم السلام) الدالّة على أنّه لا يلهو و لا يتغيّر و لا يلعب.
و بالجملة: إن صحّ هذه المرتبة عقلًا لا دليل على إثباتها لهم خارجاً لا عقلًا و لا نقلًا، بل من لا يشغله شأن عن شأن هو الله سبحانه و تعالى[١].
و الحاصل أنّا إذا حملنا روايات العمود و النظر على الموجبة الجزئيّة يصبح عرض الأعمال عليهم أمراً معقولًا و لا تنا في بينهما أبداً و يحتمل أن يكون المراد بالعمود النوري هو الملك الذي يعرض الأعمال عليهم فيرتفع الثاني رأساً، فتأمّل فيه.
الفائدة العاشرة: أنّ المستفاد من الروايات الواردة حول ليلة القدر أنّ ما ينزل فيها كلّ سنة إنّما هو تفصيل ما علمه الإمام من المجملات و تفسيرها، أو الأمر بما علموه و لو تفصيلًا، إذ ليس كلّ معلوم جائز عمله أو واجب إنفاذه بلا أمر من الله تعالى، و لو من جهة احتمال البداء، و يمكن استفادة ذلك من القرآن الكريم قال الله تعالى: (فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ)[٢]؛ إذ الفرق مشعر بالتفصيل و الحكمة بالإبرام المنافي للبداء (افهم) و الروايات المشار إليها[٣] و إن كانت بأسرها ضعيفةالأسناد لكن دلالتها على هذا المعنى مطابقة للكتاب الكريم.
و أمّا ما في صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما (عليهماالسلام) ... فقال: «تنزّل فيها الملائكة و الكتبة إلى سماء الدنيا فيكتبون ما يكون في أمر السنة و ما يصيب العباد، و أمر عنده موقوف و فيه المشية فيقدّم ما يشاء و يؤخّر منه ما يشاء و يمحو و يثبت، و عنده أم الكتاب».
و ما في صحيحة حمران عن الباقر (ع) ... قال: «يقدّر في ليلة القدر كلّ شيء يكون في تلك السنة إلى مثلها من قابل خير و شر، طاعة و معصية، و مولود و أجل أو رزق، فما قدّر في تلك السنة و قضي فهو المحتوم و لله عزّ و جلّ فيه المشيّة» إلخ.
[١] - لا حظ مستمسك العروة الوثقى ١/ ١٧٦، لسيّدنا الأستاذ للمرجع الديني العام السيّد الطباطبائي الحكيم دام ظلّه، الطبعة الأولى.
[٢] - الدخان ٤٤/ ٤.
[٣] - لاحظ الروايات في أصول الكافي ١/ ٢٤٨- ٢٥٢.