صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٩ - الجهة الثانية في أدلة القول بالعصمة
لأن[١] نبينا (ص) و الائمة (عليهم السلام) من بعده كانوا سالمين من ترك المندوب و المفترض قبل حال إمامتهم و بعدها[٢]. انتهى كلامه.
فقد خصص العصمة قبل النبوة و الإمامة بالنبي الأعظم (ص) و الأئمة من بعده، و لم يعتقد بعصمة الأنبياء قبل نبوّتهم لكن لم يذكر جواز الصغيرة التي لا تستخف فاعلها على الأئمة (عليهم السلام) فلاحظ و تأمل و الله العالم.
و بتعبير آخر أن هنا بحثين:
الأول: اشتراط العصمة في النبي و أنّ النبوّة هل تسلتزم العصمة أم لا؟
الثاني: عصمة الأنبياء خارجاً.
أمّا الأول فمقتضى ما تقدم من أدلتهم هو تمكّن النبي من تلقي الوحي و تحمله، و عصمته من الكذب في أدائه، و عدالته في أفعاله بعد تشرّفه بدرجة النبوّة لا غير، نعم لا دليل آخر يثبت اشتراط العصمة في النبي و الإمام، و سندرسه في مقصد الإمامة عند البحث عن شرائط الإمام على مذاق العامة إن شاء الله.
و أمّا الثاني فيدلّ على صحّته و تحقّقه إجماع الإمامية على ما مرّ، و مما يؤكد هذا الإجماع تصدّي معظم علماء الاسلام- على اختلاف مشاربهم- لتوجيه الآيات القرآنية الدالة على صدور بعض المعاصي عن بعض الأنبياء الكرام (عليهم السلام) و حملها على محامل غير منافية لعصمتهم، على حذو توجيههم الآيات الدالة على تجسّمه تعالى، و هذا أكبر شاهد على أن عصمة الأنبياء (عليهم السلام) مما ارتكز عليه أذهان المتشرعة، و ليس تركيزها إلّا من قبل الشرع، كيف و لو لاه لما اتّفق المفسرون و غيرهم على رفع اليد عن ظواهر تلكم الآيات الشريفة.
ثم إني لا أظن بالمطالع الفطن أن يتوهّم كون هذا الإجماع دورياً، بدعوى أن حجية الإجماع- عند أهل الحق- من جهة كشفه عن رضا المعصوم، و المفروض أن الكلام في العصمة نفسها، فإنّ فساد هذا التوهم بمكان من الظهور؛ إذ عصمتهم (عليهم السلام) في التبليغ و بيان ما هو راجع إلى الشريعة ثابتة عقلًا كما مر، فيكون قولهم بعصمتهم في أفعاله حجة لا محالة. و إذا انضم إلى الاجماع المذكور الروايات الواردة في المسألة كما ذكرناها في الوجه السابع عشر يصبح المطلوب اظهر[٣]. ثم انه يمكن أن يقال: إن الإجماع و الأخبار إنما دلّا على عصمة الأنبياء من
[١] - و في نسخة: إلّا أنّ.
[٢] - اوائل المقالات/ ٦١.
[٣] - نعم لا بد من علاج ما يظهر من قوله تعالى: ... وَ ما أُنْزِلَ عَلى إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ .. وَ الْأَسْباطِ البقرة ٢/ ١٣٦. و قريب منه الآية ٨٤ من سورة النساء، و من قوله تعالى: وَ أَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ الْأَسْباطِ وَ عِيسى- النساء ٤/ ١٦٣- من نبوة الاسباط أبناء يعقوب( ع).
و في رواية الثمالي عن الباقر( ع) الطويلة الواردة في حال الأنبياء و النبوات ... ثمّ صارت بعد يوسف في الأسباط- البحار ١١/ ٤٧- ثم كانت الاسباط اثنتي عشرة بعد يوسف ...- البحار/ ١١/ ٥١- قال أمين الاسلام الطبرسي في المجمع: و الذي يقتضيه مذهبنا أنهم لم يكونوا أنبياء بأجمعهم؛ لعدم عصمتهم لما فعلوا بيوسف انتهى.
و في رواية حنان بن سدير قال: قلت لابي جعفر( ع): أكان أولاد يعقوب الأنبياء؟ قال: لا، و لكنهم كانوا أولاد أنبياء، و لم يفارقوا إلا سعداء تابوا أو تذكروا مما صنعوا. البحار ١٢/ ٢٩١.
أقول: و ذكر بعض المفسرين أن الأسباط المذكورين في هذه الآيات ليسوا أولاد يعقوب، أي و لا دليل على ذلك؛ اذ الاسباط يطلق على مطلق الجماعات، قال الله تعالى في حق بني اسرائيل: وَ قَطَّعْناهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْباطاً أُمَماً الأعراف ٧/ ١٦٠.
أقول: و المقام محتاج إلى مزيد تأمل.