صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٥٧ - ما يقول العامة في إثبات دعواهم
و عمر عن الحرب؟.
و فتح مكّة حيث أسلم أهلها فيه، و غزوة حنين التي فرّ معظم الأصحاب، و لم يبق مع النبيّ إلّا نفر يسير من بني هاشم و شخص من غيرهم على ما في التواريخ، و قد اعترف الرازي بارتكاب الصحابة- بفرارهم هذا- معصية كبيرة.
و قد وقع بعد غزوة الخيبر محارب كثيرة أخرى غير هذه الحروب العظيمة كما تظهر لمن راجع التاريخ، فكيف يقولون بأنّ النبيّ ما دعاهم إلى الحرب؛ أو لم يقع الحرب بعد غزوة خيبر إلّا غزوة تبوك؟![١]
و ثانياً: ما دليلكم على أنّ أحد الخلفاء الثلاثة دعوا المخلّفين المذكورين إلى الحرب؟ و المسلّم أنّهم دعوا المسلمين إلى الحروب، و أمّا إنّهم دعوا هؤلاء المخلّفين أيضاً فغير معلوم، بل لا طريق معتبر لهم إلى بقائهم و حياتهم في زمان الخلفاء و لا سيّما إلى وقت الحروب مع قوم أولى بأس شديد، فهل التلفيق إلّا تحكّم و تخرص؟
و ثالثاً: أنّ القرآن لا ينفي متابعتهم للنبيّ فقط، بل له و للمسلمين المحاربين في سبيل الله كما يظهر من قوله: (لَنْ تَتَّبِعُونا)[٢] و هو الموافق للاعتبار العقلي أيضاً؛ فإنّهم إنّما خلّفوا عن الحرب لضعف إيمانهم و خوفهم عن القتل، و هذا لا يختصّ بمتابعة النبيّ، بل يعمّ متابعة كلّ من دعا إلى الجهاد كما لا يخفى، فافهم.
و أمّا قوله تعالى في سورة البراءة: (لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَ لَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا)[٣]. فهو مسوق إلى المنافقين المخلّفين في غزوة تبوك فلاحظ.
و رابعاً: أنّه مع الغضّ عن الجميع أنّ الداعويّة المذكورة لا تستلزم الخلافة لأنّ المحاربين في سبيل الله يطيعون الله و رسوله في تشريع وجوب الجهاد و الدفاع، و لو كان الداعي مسلماً عاديّاً، أو قائداً من قوّاد الجيش أو حاكماً أخذ الحكومة بغير حقّ شرعي، فتأمّل جيّداً.
و قد ورد من طريقهم إنّه (ص) أمرهم بالصلاة خلف كل برّ و فاجر و الجهاد مع كلّ برّ و فاجر. فلم تنفعهم تلك التلفيقات الكاذبة المضلة.
الخامس: من أدلّتهم أنّ الصحابة يقولون يا خليفة رسول الله؛ و قد قال الله تعالى فيهم: أولئك هم الصادقون، فتكون خلافته حقّاً.
أقول: جملة من الصحابة لم يروا خلافته حقّاً؛ و لذا لم يبايعوه إلّا بعد الإكراه فكيف يقولون
[١] - لكن من أين تخجل أوجه أموية سبكت بلذات الفجور حياءها.
[٢] - الفتح ٤٨/ ١٥.
[٣] - التوبة ٩/ ٨٣.