صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٤ - الجهة الثانية في أدلة القول بالعصمة
و التمسك بقوله تعالى: (أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ)[١] أمر عجيب و إليك تمام الآية: (وَ يَقُولُ الْأَشْهادُ هؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ* الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَ يَبْغُونَها عِوَجاً وَ هُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ)[٢]. نعم ورد اللعن على الكاذبين فى القرآن.
و هذا صريح في أن الملعون هو الكافر لا مطلق من صدر عنه الذنب و لو نادراً[٣]. و هكذا الآية الأولى بقرينة الخلود.
٩- إن الأنبياء كانوا يأمرون الناس بطاعة الله فهم لو لم يطيعوا لدخلوا تحت قوله تعالى: (أَ تَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَ تَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَ أَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَ فَلا تَعْقِلُونَ)[٤]. و اللازم باطل إجماعاً؛ و لأنه من أعظم المنفرات إذ كلّ واعظ لم يعمل بما يعظ الناس به لا يرغب الناس في الاستماع منه و في حضور مجلسه.
أقول: مدلوله عصمة النبي بعد نبوته عن المعاصي عمداً ..
و اعلم أن أكثر الوجوه المستدلّ بها على عصمة الأنبياء (عليهم السلام) مبنية على إهمال الواسطة بين المعصوم و الفاسق المتجاهر بالفسق و الفاجر، و إلّا فمع الالتفات إليها- و هي العدالة المقررة في علم الفقه- تسقط الوجوه المذكورة و لا تصلح للاستدلال بها كما لا يخفى على أولى النهى.
١٠- إن الله تعالى حكى عن إبليس قوله: (فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ)[٥] فلو عصى نبي لكان ممن أغوه الشيطان و لم يكن من المخلصين، مع أن الأنبياء (عليهم السلام) من المخلصين إجماعاً و لقوله تعالى: (وَ اذْكُرْ عِبادَنا إِبْراهِيمَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَ الْأَبْصارِ* إِنَّا أَخْلَصْناهُمْ بِخالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ* وَ إِنَّهُمْ عِنْدَنا لَمِنَ الْمُصْطَفَيْنَ الْأَخْيارِ)[٦]. و إذا ثبت وجوب العصمة في البعض ثبت في الكلّ لعدم القائل بالفرق.
أقول هذا كسابقة في المفاد.
و يمكن أن يستشكل بعدم منافاة الإخلاص مع صدور ذنب في بعض الأحيان متداركاً بالتوبة و الإنابة؛ و لذا لا يصدق على الشخص العادل عنوان «الغاوي»، و إن صدر عنه الذنب في
[١] - هود ١١/ ١٨- ١٩.
[٢] - هود ١١/ ١٨- ١٩.
[٣] - و قريب من هذه الآية، الآية ٤٣ من سورة الأعراف، و لا لعن على الظالم في غيرهما.
[٤] - البقرة ٢/ ٤٤.
[٥] - ص ٣٨/ ٨٢- ٨٣.
[٦] - ص ٣٨/ ٤٥- ٤٧.