صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٣٢ - الدليل الحادي عشر
بل هما ثابتان لجميع المؤمنين. قال الله تعالى: (الْمُؤْمِنُونَ وَ الْمُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ)[١] و كلمة «إنّما» تحصر الولاية المذكورة بجمع خاصّ، و هم المؤمنون المصلّون الذين يؤتون الزكاة في حال الركوع. و أيضاً ليس من شرط المحبّة و النصرة إيتاء الزكاة في الركوع قطعاً، و كم من محبّ و ناصر (للمؤمنين) و لا زكاة عليه، أو يؤتيها في غير حال الصلاة، و هذا ضروري.
و الآية الكريمة تدلّ على تقييد الولاية- دلالة ظاهرة لا يشكّ فيها عاقل غير عنيد- بالّذين يؤتون الزكاة و أيضاً: أنّ كلّ عاقل عارف بالعربيّة يفهم أنّ الآية الكريمة جعلت المؤمنين قسمين: قسماً من عليهم الولاية، و هم المخاطبون بقوله تعالى: (إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ)[٢] و قسماً من لهم الولاية، و هم المراد بقوله: تعالى: (وَ الَّذِينَ آمَنُوا ..) و الآية ظاهرة- حقّ الظهور- أنّ من له الولاية غير من عليه الولاية و أنّ حكم الأوّل غير الآخر بداهة أنّ التقسيم يقطع الشركة، فلا يصحّ تداخل الأقسام.
و النتيجة على ضوء ذلك كلّه أنّ الولاية المذكورة لا يجوز أن تراد بها المحبّة و النصرة فإنّهما عامّتين لجميع المؤمنين بلا قيد و اعتبار شرط. و إذن لا بدّ أن تكون بمعنى السيادة و التولية و الأولوية المساوقة للإمامة العامّة. و هذا هو المطلوب.
إلّا أنّ القوم لم يرضوا بهذا المعنى و تصدّوا لهدم ظهور الآية بذكر شبهات! و في طليعة هؤلاء المتصدّين أو في زمرتهم الفخر الرازي في تفسيره فإنّه بعدما نقل استدلال الشيعة على إمامة أمير المؤمنين (ع) اعترض عليه بوجوه:
١- إنّ سياق الآيات يشهد بأنّ المراد بالولاية المذكورة في الآية هي المحبّة و النصرة؛ إذ قبل الآية قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَ النَّصارى أَوْلِياءَ[٣] و بعدها قوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَ لَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَ الْكُفَّارَ أَوْلِياءَ[٤].
و الولاية المذكورة فيهما هي المحبّة أو النصرة.
قلت: التشبث بالسياق بعد الدليل القائم على بطلانه من نفس الآية الشريفة غريب، على أنّ تدريجيّة نزول الآيات و عدم نزولها دفعة واحدة ممّا يهوّن أمر السياق في نفسه فكيف إذا
[١] - التوبة ٩/ ٧١.
[٢] - المائدة ٥/ ٥٥.
[٣] - المائدة ٥/ ٥١.
[٤] - المائدة ٥/ ٥٧.