صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢١٨ - الدليل الخامس
أكثر من أربعين شخصاً عربياً. فكيف يسوغ للعاقل إنكار ذلك؟[١].
و انطلاقاً من ذلك تصبح الشبهة الثانية من قبيل الاجتهاد في مقابل النصّ، و هو ساقط اتّفاقاً.
على أنّه فاسد في نفسه، فإنّ وحدة المعنى لا تستلزم وحدة خصوصيّات الصيغ المختلفة، فللصيغ و الألفاظ خصوصيّات في تعدّيها بالحروف لا تنبع وحدة معانيها و ترادف مداليلها؛ و لذا لا يقال: قادر منه كما يقال: متمكّن منه. و لا يقال: متمكّن عليه، كما يقال قادر عليه. مع اتّحاد معنى المتمكّن و القادر.
على أنّا لو سلّمنا كلام هؤلاء المتصدّين للإشكال- و في مقدّمتهم الرازي الشكاك المغرور- للغى الحديث من رأس؛ فإنّ الإشكال جار حتّى لو قلنا بأنّ كلمة «مولى» بمعنى المحب و الناصر؛ إذ لا يقال: مولى دين الله. و مولى الدين، كما يقال: ناصر دين الله، و محبّ الدين، و لحدّ الآن لم يسمع موالي الله كما جاء أنصار الله. أليس من معاني المولى المنعم عليه؟ مع عدم مصاحبة كلمة (على) مع مولى، فهل يمنع الرازي و من قلّده من ذلك؟
فالشبهتان سخيفتان جدّاً؛ و لذا تقبل جمع كثير مجيء (مولى) بمعنى أولى.
قال القوشجي[٢]: إنّ المولى قد يراد به المعتق ...، و الأولى بالتصرف، قال الله تعالى: (مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ)[٣]. أي أولى بكم، ذكره أبو عبيدة؛ و قال النبيّ (ص): «أيّما امرأة نكحت بغير إذن مولاها»، أي الأولى بها و المالك لتدبير أمرها، و مثله في الشعر كثير.
و بالجملة: استعمال المولى بمعنى المتولّي و المالك للأمر و الأولى بالتصرف شائع في كلام العرب، منقول عن كثير من أئمة اللغة، و المراد أنّه اسم لهذا المعنى لا أنّه صفة بمنزلة الأولى ليعترض بأنّه ليس من صيغة أفعل التفضيل و أنّه لا يستعمل استعماله. انتهى كلامه. التفتازاني في محكيّ شرح المقاصد ...
و نختم الكلام في دحض هاتين الشبهتين بما في صحيح مسلم[٤] عنه (ص): «إن على الأرض من مؤمن إلّا أنا أولى الناس به، فأيّكم ما ترك ديناً أو ضياعاً فأنا مولاه» و ما في صحيح البخاري عنه (ص): «... النبيّ أولى بالمؤمنين من أنفسهم. فأيّما مؤمن ترك مالًا فليرثه عصبته من كانوا، فإن ترك ديناً أو ضياعاً فليأتني و أنا مولاه».
[١] - لاحظ الغدير ١/ ٣٤٥- ٣٥٠.
[٢] - شرح التجريد/ ٤٤٠.
[٣] - الحديد ٥٧/ ١٥.
[٤] - صحيح مسلم ٢/ ٤.