صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ٢٠٧ - الدليل الثالث
إن شاء الله تعالى، و قد ادّعى الخلافة بعد النبيّ بلا فصل لنفسه، و لم يبايع أبابكر إلّا بعد مدّة عن إكراه كما سيأتي إن شاء الله، فيكون دعواه مطابقة للحقّ، و إلّا لم يكن معصوماً. فيكون هو الإمام[١]. و من بنى على إنكار مخالفته (ع) لأبي بكر فقد أنكر ما هو مقطوع من الآثار و التاريخ، و لا جواب له سوى إنكار وجود أبي بكر!.
الدليل الثالث
نصّ النبيّ الأكرم (ص) عليه (ع) يوم الدار و الإنذار، و حاصله أنّه لمّا نزل قوله تعالى: (وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ)[٢]. فدعاهم النبيّ (ص) إلى دار عمّه أبي طالب، و هم أربعون رجلًا يزيدونه رجلًا أو ينقصونه.
و قال في آخر كلامه (ص): «يا بني عبد المطلب إنّي و الله ما أعلم شاباً في العرب جاء قومه بأفضل ممّا جئتكم به، جئتكم بخير الدنيا و الآخرة و قد أمرني الله أن أدعوكم إليه، فأيّكم يؤازرني على أمري هذا، على أن يكون أخي و وصيّي و خليفتي فيكم»؟ فأحجم القوم عنها غير عليّ- و كان أصغرهم- إذ قام فقال: «أنا يا نبي الله أكون وزيرك عليه». فأخذ رسول الله برقبته، و قال: «إنّ هذا أخي و وصيّي و خليفتي فيكم، فاسمعوا له و أطيعوا». فقام القوم يضحكون و يقولون لأبي طالب: قد أمرك أن تسمع لابنك و تطيع، انتهى. و قد رويت بألفاظ أخر أيضاً.
أقول: و كلّ من قال بخلافته (ع) في عشيرة النبي (ص) قال بخلافته في الأمّة قاطبة، و لا قائل بالتفصيل بين المسلمين.
على أنّ في بعض الروايات ما يدلّ على المراد، فقد أخرج الحافظان ابن أبي حاتم والبغوي ...: «فمن يجيبني إلى هذا الأمر و يؤازرني يكن أخي و وزيري و وصيّي و وارثي و خليفتي من بعدي»؟ فلم يجبه أحد منهم؛ فقام علي ... فقال: «أنا يا رسول الله». فقال: «اجلس فأنت أخي و وزيري و وصيّي و خليفتي من بعدي. بل في رواية أخرى: أيكم ينتدب أن يكون أخي و وزيري و وصيّي و خليفتي في أمّتي و وليّ كلّ مؤمن بعدي»؟ فسكت القوم حتّى أعادها ثلاثاً ... ثم قال لأبي طالب: «يا أبا طالب اسمع الآن لابنك و أطع فقد جعله الله من نبيّه بمنزلة هارون من موسى».
لا يقال: الأمر كما ذكرت في ناحية الدلالة، لكنّ المناقشة من ناحية السند ممكنة، فإنّ
[١] - ليس بناء الدليل على اشتراط العصمة في الإمام كما هو ظاهر حتّى يقال: إنّها ليست بشرط في الإمام عند العامة، و أمّا إنكار عصمة عليّ( ع) فلا يمكن إلّا بإنكار القرآن و السنّة!.
[٢] - الشعراء ٢٦/ ٢١٤.