صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٩ - الجهة الثانية في أدلة القول بالعصمة
و أمّا إنّ وقوع الكبائر منهم قادح في نفوذ كلمتهم فهو واضح؛ اذ لا شبهة في أن من نجوّز عليه كبائر المعاصي و لا نأمن منه الإقدام على الذنوب لا تكون أنفسنا ساكنة إلى قبول قوله و استماع وعظه سكونها إلى من لم نجوّز عليه شيئاً من ذلك، و هذا معنى قولنا: إنّ وقوع الكبائر ينفّر عن القبول، و امرجع في التنفير و عدمه إلى العادات و ليس ممّا يستخرج بألادلة و المقامييس، و من رجع إلى العادة علم ما ذكرنا.
فإن قيل: أليس قد جوز كثير من الناس على الأنبيا (عليهم السلام) الكبائر مع أنّهم لي ينفروا عن قبول أقوالهم؟
قلنا: إنّا لم نرد بالتنفير ارتفاع التصديق و أن لا يقع امتثال الأمر جملة، بل أردنا ان سكون النفس إلى قبول قول من يجوز ذلك عليه لا يكون على حدّ سكونها إلى من لا نجوّز ذلك عليه و هذا ممّا لا شك فيه.
و من هنا ينبثق أنّ الكبائر قبل النبوة و كذا الصغائر قبل النبوة و بعدها منفية عنهم بعين هذا الملاك، ألا ترى أن حال الواعظ لنا الداعي إلى الله تعالى- و نحن نعرفه مقارناً للكبائر و الصغائر، و إن كان قد فارق جميع ذلك و تاب منه- ليس عندنا و في نفوسنا كحال من له يعهد منه إلّا النزاهة و الطهارة بالضرورة.
فتحصل أنّ المعجزة تدلّ على نفي الكذب في التبليغ عنهم (عليهم السلام) بلا واسطة، و على نفي سائر المعاصي الكبيرة و الصغيرة و لو قبل النبوة بواسطة، و هي قدح المعاصي في قبول قولهم الذي هو انعائي من بعثتهم و إجراء المعجزة على أيديهم، و الدليل على القدح المذكور أن المعصية منفّرة عن انقياد الناس للعاصي كما هو محسوس من سيرة العقلاء خارجاً.
هذا ملخّص ما ذكره (قدس سره) و هو كلام حسن إلا أنّه يتّجه عليه سؤالان لابد من دفعهما:
أمّا الأوّل: فلأنّ المعجزة تدلّ على نفي الكذب في التبليغ إذا كان عمداً و لا دلالة لها على نفيه سهواً إذ لم يكن بخارج عن نحو المتعارف بأن يكون كثير السهو، ألا ترى أن النبي أو الامام (ع) إذا قال: عليك في أخذ الاحكام من هذا الجالس، مشيراً إلى أحد أصحابه، أو قال: يونس بن عبد الرحمن مثلًا ثقة خذ منه معالم دينك، أو قال: زكريا بن آدم مأمون على الدين و الدنيا، او قال: ما يؤدي عني فلان فعني يؤدي، دلّ ذلك على وثاقة الرجل المذكور و صدقة في كلامه و منطقه، و لا دلالة حسب المتفاهم العرفي على نفي السهو الجزئي عنه أيضاً؟
و على الجملة ننقض كلامه بالرواة و المجتهدين فإنّ الشارع جعل قولهم حجّة مع أنهم يسهون في بعض الأوقات.
و أمّا الثاني فلأن التنفير القادح في غرض البعثة بتاتاً و قبول النبي جملة غير حاصل