صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٨٩ - الباب الرابع ما تثبت به الإمامة
و أمّا قوله تعالى: (وَ يَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً)[١] فلا يدلّ على اهتدائهم بالهداية المذكورة لتوسّط اختيار المكلّف بينهما، ألا ترى أنّ الله تعالى هدى ثمود لكنّهم استحبوا العمى على الهدى؟ و قد مرّ تفصيل ذلك في الجزء الثاني في المقالة الثامنة من القاعدة الخامسة في المقصد الخامس.
٥- السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَ الْأَنْصارِ وَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ وَ أَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ[٢].
أقول: و الحقّ أنّ الآية الكريمة تدلّ على عدالة المهاجرين و الأنصار السابقين الأولين، أي السابقين إلى الإيمان بالله و برسوله الأولين[٣]؛ فإنّ الله أخبر بأنّه راضِ عنهم، و قد أخبر أيضاً بأنّه لا يرضى عن القوم الفاسقين. و هذا- إن شاء الله- ظاهر. فلا بدّ من الإقرار بعدالة هؤلاء إلّا من ثبت كفره أو ارتداده، فنخرجه منهم جمعاً بين الأدلّة.
قال الله تعالى: وَ مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَ هُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ أُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ[٤].
و أمّا المهاجرون و الأنصار من غير السابقين الأوّلين فحالهم حال سائر الناس في توقّف حسنحالهم على إحراز اتّباعهم الحسن.
٦- قوله تعالى: لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَ أَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَ رِضْواناً وَ يَنْصُرُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ* وَ الَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَ الْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَ لا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَ يُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ وَ مَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ* وَ الَّذِينَ جاؤُ مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَ لِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَ لا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ[٥].
أقول: لا شكّ في حسن حال كلّ مهاجر و أنصاري اتّصف بتلك الصفات، و لكن أين هذا من عدالة جميع المهاجرين و الأنصار، بل جميع الأصحاب؟ و لا دلالة في الآية الكريمة على أنّ
[١] - الفتح ٤٨/ ٢٠.
[٢] - التوبة ٩/ ١٠٠.
[٣] - لكن يشكل الأمر بفرارهم عن الحرب يوم حنين و هو من الكبائر، فتأمّل.
[٤] - البقرة ٢/ ٢١٧.
[٥] - الحشر ٥٩/ ٨- ١٠.