صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٨٢ - تذييل في شرائط الإمام عند العامة
الإمام ينعزل بالفسق و الجور، انتهى.
قال المحسني مؤلف الكتاب: الشرط التاسع دلّ عليه أخبار كثيرة أخرجها مسلم في صحيحه و أحمد في مسنده و غيرهما في غيرهما و هو صحيح، فإنّا نقبل تلك لأخبار؛ لما فيها من القرينة على صدورها من النبيّ الأكرم، و سيأبي نقلها فيما بعد إن شاء الله، فافهم.
و كذا الشرط الثامن و السابع و الخامس و الثالث و الثاني فإنّها صحيحة.
و أمّا الشرط السادس فهو عند القائلين بعصمة الإمام زائد، فإنّ قوّة العقل و كمال الذكاء و عدم الزلّة من لوازم العصمة، فالمعصوم يصلح للإمامة بل للنبوّة و إن كان غير بالغ، و للمسألة صلة ستمرّ بك إن شاء الله.
و أمّا الشرط الرابع فقد عرفت أنّه مختلف فيه بينهم! و لكنّ المنصف يعلم أنّ تفويض الرئاسة العامّة على المسلمين إلى رجل فاسق نوع هدم للقواعد الإسلامية؛ فإنّ الفاسق لا تزيده الرئاسة إلّا فسقاً و غيّاً و فساداً. بل أضف إلى ذلك و أقول: فرضنا اتّفاقهم على اشتراط العدالة، لكن من العادل الذي إذا وقعت بيده مفاتيح الأمور و أتيحت له الأسباب استقام على عدله و لم ينحرف؟ و أنت إذا راجعت سيرة الأمراء الأمويين و الحكّام العباسيين[١] و السلاطين الجبابرة بعدهم الى يومك هذا لا تجد سلطاناً عادلًا استقام على عدله إلى آخر أمره سوى نفر محدود ربّما لا يتجاوز عدد الأنامل.
فالإنصاف أنّه لا بدّ من كون الإمام ذا ملكة قويّة عالية من العدالة و درجة كبيرة من الاستقامة بحيث لا يغلبه العواطف الباطلة، و لا يغيّره الرئاسة العامّة، و لا تغرّه الأموال الطائلة، بل كان كالجبل الراسخ لا بحرّكه العواصف ليتمكّن من حفظ الدين و نشر العدل و ترويج الشريعة و يحتاط في الأموال و الأعراض و النفوس، و هذه العدالة العالية هي العصمة التي يقول الإماميّة باشتراطها في الأنبياء و الأئمة من أوّل أعمارهم، و لو ناقشناهم في سعة هذا الشتراط فلابدّ من قبوله من أوّل رئاستهم، و هذا ممّا لا يسمع إنكاره لعاقل، و إخواننا أهل السنة إيضاً يعرفون هذا المعنى أتمّ المعرفة؛ و لذا قالوا باشتراط العصمة في الأنبياء (ع) و لكنّهم ابتلوا بأئمة فاسقين جائرين، بل لم يجرز أيمان أكثرهم فسامحوا في الاشتراط المذكور! كما يهديك إليه كلام التفتازاني المتقدّم.
فالمتحصّل أنّه يشترط في الرسول و الإمام العصمة من أوّل رسالته و إمامته قطعاً، و أمّا الزائد على ذلك فقد مرّ الكلام حوله؛ و قد عرفت في مبحث عصمة النبيّ الخاتم (ص) عصمة
[١] - لا حظ الجزء الثاني من كتاب التمدّن الإسلامي لمؤلف جرجي زيدان لتدهش عن أعمال بني أمية و غيرهم، و معلوم أنّ ما ذكره قليل من كثير.