صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٤ - تنوير و تحكيم
فواتها و لا يعارضها مجرّد احتمال المضرّة بتقدير قبحه، و يترك إذا لم يحتج للاحتياط في دفع الضرر المحتمل.
و قد نقل عن البراهمة وجه آخر، قالوا: إنّ ما جاء به النبي إن وافق العقل فلا حاجة اليه و ان خالفه فليزم ردّه و إنكاره، فلا قائدة في البعثة مطلقاً.
أقول: و كلا الوجهين يزيف بأن العقل لا يحيط بكثير من المحاسن و القبائح الواقعيين و ترجيح بعضها على بعض عند التزاحم، فيتوقّف بيانهما على وجود رسول مخبر من قبل علّام الغيوب، هذا مع أن الالتزام بما يدركه العقل من دون الوعد و الوعيد غير ميسور لمعظم الناس كما هو محسوس خارجاً.
و منهم: بعض المعتزلة، حيث فصل بين عمله تعالى بإيمان أمّة فحكم بوجوب البعثة و إرسال النبي إليهم لما فيه من استصلاحهم، و بين علمه تعالى بعدم إيمانهم فحكم بحسنها فقط لإعذارهم و عدم وجوبها.
أقول: الظاهر أنّه ما من قوم إلّا و يؤمن بعضهم بالنبي إذا بعث فتكون البعثة واجبة دائماً فإنّ احتمال إنكار جميعهم لقول المبعوث المذكور بعيد جداً.
ثم إنّ تعليل وجوب البعث بالاستصلاح غير بيّن و لا مبين، بل لا بدّ من استناده إلى ما ذكرنا في مبحث حسن التكليف و وجوبه. نعم في المقام صعوبة أخرى أشرنا إليها في بحث تبعية أفعاله تعالى للأغراض.
تنوير و تحكيم
روى ثقة الإسلام الكليني عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن العباس بن عمر الفقيمي عن هشام بن الحكم عن أبي عبد الله الصادق (ع) أنه قال للزنديق الذي سأله من أين أثبت الأنبياء و الرسل؟ قال: أنّا لما أثبتنا أن لنا خالقاً صانعاً متعالياً عنّا و عن جميع ما خلق، و كان ذلك الصانع حكيماً متعالياً لم يجز أن يشاهده خلقه و لا يلامسوه فيباشرهم و يباشروه و يحاجهم و يحاجوه، ثبت أن له سفراء في خلقه يعبّرون عنه إلى خلقه و عباده و يدلّونهم على مصالحهم منافعهم وما به بقاؤهم و في تركه فناؤهم، فثبت الآمرون و الناهون عن الحكيم الحليم في خلقه و المعبرون عنه جلّ و عز و هم الأنبياء (عليهم السلام) و صفوته من خلقه. حكماء مؤدبين بالحكمة[١] مبعوثين بها غير مشاركين للناس- على مشاركتهم لهم في الخلق و التركيب- في شيء من أحوالهم، مؤيدين[٢]
[١] - في نسخة بدل: في الحكمة.
[٢] - في نسخة بدل: مؤيدون.