صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٣ - نقل و نقد
اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ)[١]، و قوله: (أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً)[٢] يثبت وجوب البعثة أيضاً؛ اذ لا يمكن إيصال التكاليف المجعولة من قبل الله تعالى إلّا بواسطة الرسول، و هذا واضح فلا نطيل المقام. و بالجملة أن الثقافة الاسلامية حتى في عصرنا أحسن و أكمل من الثقافات المادية الناقصة في العالم، فابلاغها للناس حسن، و واجب بالآيات المتقدّمة.
نقل و نقد:
ابتلي أقوام في هذه المسألة بأوهام خرافية:
فمنهم: الأشاعرة حيث أنكروا وجوب التكليف بحجّة أنّه لا حاكم على الله تعالى.
و قد زيفناه من قبل في المقصد الخامس من الجزء الثاني، فلاحظ.
و منهم: من حسب امتناع التكليف بحجّة فقدان شرطه و هو اختيار المكلّف في أفعاله و تروكه؛ ضرورة قبح تكليف المجبور الملجأ. و قد ثبت في محلّه أن العباد مجبورون لا مختارون، و أجيب عنه بأنّ الأمر و إن كان كذلك إلا أنّ للفاعلين كسباً يصح باعتباره تعلق التكليف بأفعالهم.
قلت: قد نبّهناك فيما مضى على بطلان هذا الكسب و أنه غير معقول أصلًا، فالانصاف أنّ هذا الإشكال على مذاق اتباع جهم بن صفوان و مقلّدي أبي الحسن غير قابل للإنحلال أبدا، و أمّا على طريقة أهل الحقّ من الأمر بين الأمرين فجوابه و اضمحلاله أوضح من أن يخفى.
و منهم: بعض الصوفية من أهل الإباحة، حيث تخيّل أن التكليف بالافعاله الشاقّة البدنية يشغل الباطن عن التفكّر في معرفة الله و ما يجب له و ما يمتنع عليه، و لا شك أنّ المصلحة المتوقعة من هذا الفائت تزيدعلى ما يتوقّع ممّا كلّف به فكان ممتنعا. لكن قد خفي على هذا البسيط انّ المعرفة الصحيحة الكاملة لا تحصل الا ببيان الرسول، و أنّ الفرعيات التعبّدية العبادية تؤثّر في استقرار العقليات و رسوخها. فالأمر على عكس ما توهّمه هذا القائل.
و منهم: البراهمة و الصائبة و التناسخية[٣]، فقد حكي عنهم القول بكفاية العقل في معرفة التكليف من دون حاجة إلى بعثة رسول، قالوا: إنّ ما حكم العقل بحسنه يفعل، و ما حكم بقبحه يترك، و ما توقف فيه يفعل اذا احتيج اليه؛ إذ الحاجة ناجزة حاضرة يجب اعتبارها دفعا لمضرّة
[١] - النحل ١٦/ ٩.
[٢] - المؤمنون ٢٣/ ١١٥.
[٣] - و في شرح المواقف ٣/ ١٦٥: أنّ من البراهمة من قال بنبوّة آدم فقط. و منم من قال بنبوّة إبراهيم فقط. و من الصائبة من قال بنبوّة شيث و إدريس فقط.