صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٢ - المبحث الأول في حسن البعثة و وجوبها
المبحث الأوّل: في حسن البعثة و وجوبها
قالوا: البعثة حسنة لاشتمالها على فوائد كثيرة كمعاضدة العقل فيما يستقّل به كمعرفة الباري و صفاته- و استفادة الحكم من النبي المذكور فيها لا يدلّ عليه العقل مثل بعض الاعتقادات و الفروغ التعبدية و ازالة الخوف الحاصل عند الإتيان بالحسنات لكونه تصرّفا في ملك الله تعالى بغير إذنه، و عند الترك لكونه ترك العبودية، و استفادة الحسن و القبح في الأفعال التي لا يستقلّ العقل بقبحها و حسنها؛ و تعلم منافع الأغذية و مضارّها، و كذا الأشرية و الأدوية- و حفظ النوع الإنساني بجعل قانون حافظ لنظامهم، و تعليمهم الأخلاق الفاضلة و الصنائع الخفية، و تدبير شؤونهم الاجتماعية والمنزلية، و إخبارهم بالثواب و العقاب ترغيباً في الأعمال البرية النافعة، و تنفيراً عن الافعال الشنيعة المضرّة إلى غير ذلك، فتكون البعثة المزبورة لطفاً للمكلف، و اللطف واجب على الله تعالى، فيجب عليه بعث الرسل إلى المكلّفين.
و هذا- أي وجوب البعثة- هو المصرّح به في كلمات جملة من متكلمي أصحابنا الإمامية رضى الله عنه بل عدّه السيد المرتضى- في تبصرة العوام- في جملة معتقدات الامامية، و هو المنقول عن المعتزلة أيضاً.
و أمّا حسنها فقد نقل اتّفاق أرباب الملل عليه.
و الحق أنّه لا دليل على حسن البعثة و وجوبها[١] إلّا ما ذكرناه في حسن التكليف و وجوبه (في الجزء الثاني) إذ بعد ما ثبت وجوب تكليف الناس على الله تعالى لقوله: (ما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)[٢] بالتقريب المتقدم. و قوله: (إِنَّ عَلَيْنا لَلْهُدى)[٣]، و قوله: (وَ عَلَى
[١] - و أمّا قوله تعالى: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ النساء ٤/ ١٦٥. فلا يدلّ على الوجوب بل على عدم العقاب بلا إرسال رسول. و قد سبق أن اللطف بكلا معينية غير واجب على الله تعالى عقلا. و حسن التكليف بما ذكر في الدليل معارض باستحقاق المنكرين- و هم الأكثر- للخلود في العذاب، فتأمل.
[٢] - الذاريات ٥١/ ٥٦.
[٣] - الليل ٩٢/ ١٣.