صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١١ - المقصد السادس في النبوة و الرسالة
المقصد السادس: في النبوّة و الرسالة
النبوّة منصب إلهي يؤتيه الله من يشاء من أفراد الإنسان بلا حيثية نيابية، يتمكّن صاحبه من سماع الوحي بقذفه في القلب أو صوت الملك أو رؤيته في المنام دون معاينته في اليقظة حين التحدث معه.
فقولنا: «منصب» بمنزلة الجنس يشمل رتبة الأنبياء و الرسل و الأوصياء و بعض الملائكة و العلماء. و قولنا: «من أفراد الإنسان» كالفصل يخرج به منصب الملائكة. كما يخرج بقولنا: «بلا حيثية نيابية» درجة الأوصياء و الخلفاء و العلماء فإنّها نيابة عن النبي. و أمّا قولنا: «رؤيته في المنام» فهو يميز النبوة على الإمامة بناء على تأصلها و مغايرتها مع الخلافة كما هو الصحيح، فإنّ الإمام و ان يسمع صوت الملك لكنّه لا يراه في منامه، على ما سيأتي تفصيله في المقصد السابع إن شاء الله.
و قولنا: «من دون معاينة» إشارة إلى افتراق النبوة عن الرسالة، فإن الرسول يعاين شخص الملك في اليقظة. و قولنا: «حين التحدث معه» ناظر إلى ما في بعض الروايات من أن النبي ربما رأى الشخص و لكن لا يسمع كلامه، فيكون عدم الرؤية- إن صحّت الرواية سند،- مختصّاً بحين المكالمة و الوحي.
و ينبثق من هدي هذا البيان: أن النبي هو الإنسان الواجد لذلك المنصب الإلهي بلا جهة نيابية في منصبه، سواء بلغ الناس من ربه أم لا، له كتاب و شريعة أم لا؛ و أمّا الرسول فهو الإنسان الواجد للدرجة الممكنة لمعاينة الملك و المخبر من قبل الله تعالى للمكلّفين.
فمدار الفرق بين النبوة و الرسالة نقطتان: معاينة الملك و عدمها، و اعتبار التبليغ و عدمه[١].
و اعلم أنّ هذا الذي تفرّدنا به في هذا الموقف هو الأصح من جميع التعاريف التي ذكرها المتكلّمون و غيرهم للنبوة و الرسالة، كما سيظهر وجهه في المسائل الآتية في هذا المقصد و مما سنذكره في تعريف الامامة إن شاء الله الرحمن.
اذا تقرر ذلك فلنتعرض لأصل المقصد في ضمن مباحث.
[١] - ليس معنى العبارة أن النبي لم يوظّف بابلاغ الوحي الناس، فإن معظمهم ارسلوا إلى الناس كما يستفاد من القرآن المجيد كقوله تعالى وَ كَمْ أَرْسَلْنا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ( الزخرف ٤٣/ ٦) و قوله تعالى: فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَ مُنْذِرِينَ( البقرة ٢/ ٢١٣) بل المراد عدم عدم اعتبار الابلاغ، لا اعتبار عدمه، فقلن.