صراط الحق في المعارف الإسلامية و الأصول الإعتقادية - المحسني، الشيخ محمد آصف - الصفحة ١٠٧ - المقام الثالث في نفي السهو في الأفعال الواجبة و المحرمة
رضاعهم، مع أنّ ترك بعضها من الكبائر، و هذا لا ينافي الأخبار الواردة بأنّهم كانوا من الكاملين في عالم الذر و يكلّمون في بطون أمهاتهم، و عند ولادتهم؛ لأنّ الله تعالى مع أنّه أكمل أرواحهم في عالم الذّر و يظهر منهم الغرائب في سائر أحوالهم على وجه الإعجاز، جعلهم مشاركين مع سائر الخلق في النمو و حالة الصبا و الرضاع و البلوغ. و إن كان بلوغهم لكمال عقولهم قبل غيرهم.
و لم يكلّفهم في حال رضاعهم و عدم تمكّنهم من المشي و القيام بالصلاة و غيرها، فإذا صاروا في حدّ يتأتي ظاهراً منهم الأفعال و التروك لا يصدر منهم معصية فعلًا و تركاً و عمداً و سهواً، و حالة النوم أيضاً مثل ذلك، و لا يشمل السهو تلك الحالة.
لكن فيه إشكال من جهة ما تقدّم من الأخبار و سيأتي أنّ نومه (ص) كان كيقظته، و كان يعلم في النوم ما يعلم في اليقظة، فكيف ترك الصلاة مع علمه بدخول الوقت و خروجه؟
ثمّ أجاب عن الإشكال بأنّ الله غلب النوم عليه لمصلحة، أو إنّه (ص) لم يكن مكلّفاً في حالة النوم، أو كان مأموراً بترك الصلاة مع علمه بدخول الوقت و خروجه، أو إنّه (ص) في حالة النوم غير قادر على القيام. و هو لا ينافي علمه في تلك الحالة. انتهى كلامه ملخّصاً.
أقول: و المتعيّن هو الجواب الأوّل فإنّه المذكور في بعض الروايات المتقدّمة، فثبوت مساواة نومه و يقظته في الاطلاع لا ينافي إنامة الله إيّاه في مورد المصلحة.
و بالجملة: الأصحاب لم يتّفقوا على بطلان جواز نومه (ص) عن الصلاة مثل ما اتّفقوا على بطلان سهوه في الصلاة، فقد صرّح غير واجد باستحالة السهو عليه (ص) و لو في الصلاة، و طرحوا الأخبار المتقدّمة، و إليك دلائلهم:
١- إجماع الأصحاب على نفي السهو عن المعصوم مطلقاً، و لا يضرّه مخالفة جماعة تقدّم أسماؤهم؛ إذ حجية الإجماع- على طريقة المتأخّرين- من باب الحدس برضا المعصوم (ع) و فيها لا يعتبر اتّفاق الكلّ.
٢- إنّ السهو يوجب تنفير الناس عنه المستلزم لنقض الغرض، فيمتنع على الأنبياء و الأئمة (عليهم السلام).
٣- قوله تعالى: ما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى[١] انتهى.
و قوله: إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَ[٢].
[١] - النجم ٥٣/ ٣.
[٢] - الأنعام ٦/ ٥٠.