الأسس المنهجية في تفسير النص القرآني - الحجار، عدي - الصفحة ١٢٤ - الاختلاف في القراءات
وكانت المصاحف خالية من النقط والشكل, فثبت أهل كل ناحية على ما كانوا تلقوه سماعاً عن الصحابة بشرط موافقة الخط وتركوا ما يخالف الخط, ثم نشأ الاختلاف بين قرّاء الأمصار[٢٦٨], فكان للخط المصحفي القديم الذي خلا من الضوابط التي تحكم اللفظ وتجعله على صورة واحدة, الأثر الكبير في اختلاف القراءات بوصفه محتملاً للنطق بوجوه متعددة, يضاف إلى ذلك تباين الضبط لدى الصحابة لوجوه القراءات, ولو التزم أخذ القراءة من نبع صافٍ واحد بعد النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي واكب القرآن آية آية ألا وهو أمير المؤمنين عليه السلام لما اتسع الخلاف في الصدر الأول وأخذ بالتشعب والازدياد.
ودعوى الاختلاف في القراءة في عهد الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم تكاد لا تنهض, إذ أنها «لا تستند إلى حقيقة تاريخية معينة يصرح فيها بنوعية هذا الاختلاف في القراءة»[٢٦٩], حيث أن الروايات الواردة عن وجود مثل هذا الاختلاف في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا تشير إلى «كيفية هذا الاختلاف ونوعية فروقه, فلم يصرح بجميع ذلك مما يجعلها روايات قابلة للشك, ومع حسن الظن بالرواة فإن رواياتهم تلك قد تعبر عن السهو والاشتباه»[٢٧٠], وقد ينشأ الاختلاف بين القرّاء من الاجتهاد والرأي بالاستناد إلى الشاهد اللغوي.
وعلى كل حال فالاختلاف في القراءات كان من دواعي تنوع الفهم الذي أسهم في اختلاف التفسير, وشواهده كثيرة لا ينكرها من تتبع كتب التفسير. وليس المراد في هذا المقام تفصيل القول في صحة قراءة وردّ أخرى, ولا الحديث عن حجية هذه القراءات مما يُعدّ خارجاً عن صلب الموضوع.
[٢٦٨] -ينظر: ابن حجر- فتح الباري:٩/ ٢٨ ومحمد طاهر الكردي-تاريخ القرآن: ١/٤٤.
[٢٦٩] -محمد حسين علي الصغير- تاريخ القرآن: ١٠٣.
[٢٧٠] -المصدر نفسه: ١٠٣-١٠٤.