قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٢ - فهرس الجزء الثاني شرح مقام التوكل و وصف أحوال المتوكلين و هو المقام السابع من مقامات اليقين
للعبد ما فرغ منه العبد و هو الذي فرغ له منه لما سبق له به، فإن تملّك سوى هذا و ادّعاه لأجل أنه في خزانته، أو قبض يده فذلك لجهله باللَّه تعالى و قلة فقهه عن الله سبحانه و غفلته عن حكمة الله تعالى في أرضه، يودعها من يشاء إلى الوقت الذي يشاء، حتى يستقرّ إلى كيف يشاء. فقد قال تعالى: فَمُسْتَقَرٌّ وَ مُسْتَوْدَعٌ [الأنعام: ٩٨]. و قال: لِكُلِّ نَبَإٍ مُسْتَقَرٌّ [الأنعام: ٦٧]. و قال سبحانه: وَ لِلَّهِ خَزائِنُ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ [الأنعام: ٧]. و هكذا روينا عن نبينا صلى الله عليه و سلم أن الرزق ليطلب العبد كما يطلبه أجله. و قال صلى الله عليه و سلم: و إن لكل عبد رزقا هو آتيه لا محالة. فمن قنع به و رضي بورك له فيه، و من لم يقنع به و لم يرض لم يبارك له فيه و لم يسعه. و يقال: «لو هرب العبد من رزقه كما لو هرب من الموت لأدركه». و في وصية النبي صلى الله عليه و سلم لابن عباس: إذا سألت فاسأل الله، و إذا استعنت فاستعن باللَّه، و اعلم أن الخلائق لو جهدوا أن ينفعوك بما لم يكتبه الله لك ما قدروا على ذلك، و لو جهدوا أن يضرّوك بشيء لم يكتبه الله سبحانه لك لم يقدروا على ذلك، طويت الصحف و جفّت الأقلام. فمن كانت هذه مشاهدته في القسم المعلوم سقط عنه جملة من الهموم و استراح من النظر إلى الخلق و استراح الخلق، من أذاه، و شغل عنهم بخدمة مولاه. و كان قد فهم شيئا من الخطاب، و ممّن أقبل على الله الكريم بصالح ما دعاه إليه و استجاب. كما روي أن رجلا لزم باب عمر بن الخطاب رضي الله عنه كل غداة فشهد عمر منه مجيئه لأجل الطلب فقال له: يا هذا هاجرت إلى عمر، أو إلى الله، اذهب فتعلّم القرآن، فإنه سيغنيك عن باب عمر. فذهب الرجل فغاب زمانا حتى افتقده عمر، فسأل عنه فدلّ عليه فأتاه، فإذا هو قد اعتزل الناس و أقبل على العبادة فقال له عمر: إني قد افتقدتك حتى اشتقت إليك، فما الذي شغلك عنا؟ فقال: إني قد قرأت القرآن فأغناني عن عمر و عن آل عمر. فقال له عمر: رحمك الله فما الذي وجدت فيه؟ فقال: وجدت فيه و في السماء رزقكم و ما توعدون فقلت: رزقي في السماء و أنا أطلبه في الأرض. فبكى عمر. و كانت موعظة له منه. فكان عمر بعد ذلك يشابه في الأحايين فيجلس إليه و يستمع منه. و جاء رجل إلى بشر بن الحارث فقال: إني قد عزمت على سفر إلى الشام و ليس عندي زاد فما ترى؟ فقال: يا هذا أخرج فيما قصدت له، فإن لم يعطك ما ليس لك لم يمنعك ما لك. و شكا رجل إلى فضيل حاله فقال يا هذا مدبّر غير الله تريد؟ و كان الحسن يقول: التوكّل هو الرضا. و في تفسير قوله عزّ و جلّ: وَ قَدَّرَ فِيها أَقْواتَها [فصلت: ١٠] قال: خلق الأرزاق قبل الأجسام بألفي عام فالمتوكّل لا يطالب مولاه برزق غد كما لا يطالبه