قوت القلوب - ابوطالب مکی - الصفحة ١٠ - فهرس الجزء الثاني شرح مقام التوكل و وصف أحوال المتوكلين و هو المقام السابع من مقامات اليقين
طعن على التوحيد، إنما يعني بترك التدبير ترك الأماني. و قوله: لم كان كذا؟ إذا وقع و لم لا يكون كذا؟ أ و لو كان كذا فيما لا يقع، لأن ذلك اعتراض و جهل بسبق العلم، و ذهاب عن نفاذ القدرة و شهادة الحكمة، و غفلة عن رؤية المشيئة و جريان الحكم بها. و يعني ترك التدبير فيما بقي و ما يأتي بعد أي. لا تشتغل بالفكر فيه بعقلك و علمك فيقطعك عن حالك في الوقت الذي هو ألزم لك و أوجب عليك حتى قطعك فيما يأتي من الأحكام. و التصريف في ترك التدبير و التقدير لها بالزيادة و النقصان، أو نقلها من وقت إلى غيره أو من عبد أي آخر، بالتقديم و التأخير، تكون في ذلك كما كنت فيما قد مضى. أ لا ترى أن الإنسان لا يدبّر ما قد مضى؟ قال: فينبغي أن يكون فيما يستقبل تاركا للتدبير له، تاركا للأماني فيه بمعاني ما ذكرناه، كتركه إياه فيما مضى. فيستوي عنده الحالان، لأن الله أحكم الحاكمين، و لأن العبد مسلّم للأحكام و الأفعال، راض عن مولاه في الأقدار، مع جهله بعواقب المآل. و ترك التدبير بهذه المعاني هو اليقين، و اليقين هو مكان المعرفة، إذ جعل الله تعالى قلب الموقن مكانا يمكن فيه على قدر المكان ما يليق به. و كان يقول: يا مسكين كان و لم تكن و يكون و لا تكون، فلما كنت اليوم قلت أنا و أنا كن فيما أنت الآن كما لم تكن، فإنه هو اليوم كما كان. و كان يقول أيضا: الزهد إنما هو ترك التدبير، فهذا يعني به ترك الأسباب التي توجب التدبير، و إخراج السبب الذي يجب تدبيره لا أنه يكون مسببا متيقنا للأسباب و هو ترك تدبيرها، لأن التدبير في هذا الموضع إنما هو التمييز و القيام بالأحكام و وضع الأشياء مواضعها. فكيف لا يكون العبد كذلك مع وجود الأشياء و هو عاقل مميّز متعبّد بالعلم مطالب بالأحكام؟ و إنما يقول: اترك الأشياء المدبّرة و زاهد في الأسباب المميّزة حتى يسقط عنك التدبير و التقدير، فيكون بتركها تاركا للتدبير بسقوط أحكامها عنك، و استراحتك من القيام بها، و النظر فيها، فهذا هو تفصيل جملة قوله في ترك التدبير، و هذا هو حال المتوكّلين، و المتوكّل لا يهتمّ بما قد كفي كما لا يهتمّ الصحيح بالدواء إذا عوفي، و لكن قد يحتمي قبل النزال كما يحتمي المعافى قبل ورود العلل. قال الله سبحانه: وَ ما من دَابَّةٍ في الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى الله رِزْقُها [هود: ٦] وَ كَأَيِّنْ من دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا الله يَرْزُقُها وَ إِيَّاكُمْ [العنكبوت: ٦٠] فالمتوكل قد علم بيقينه، إذ كل ما يناله من العطاء من ذرّة فما فوقها، أن ذلك رزقه من خالقه، و أن رزقه هو له و أن ما له واصل إليه لا محالة على أيّ حال كان، و إن ما له لا يكون لغيره أبدا، و كذلك ما لغيره من القسم و العطاء لا يكون لهذا أبدا، فقد نظر إلى قسمه و نصيبه من مولاه بعين يقينه الذي به