الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٢٥ - الأمر الثاني في شرف الإنسان ومقامه في الكون، وحاجته إلى التربية، وجهل العقل البشري بالمستقبل
هل في وسع العقول وملكوتها أن تسنّ لنا الشرائع والنواميس التي تتكفّل بصالح شؤوننا في: الحاضرة والآخرة، في الآداب والأخلاق، في الاكتساب والاقتصاد، في الحدود والمجازاة، في القصاص والديات، في المعاملات والحيويات من المطاعم والمشارب وتمييز النافع منها والضارّ والمؤثّر منها في سوء الأخلاق وفساد الطباع، أو الأمراض المزمنة والآلام الموبئة ولو بعد حين، وما لا يؤثّر شيئاً من ذلك؟
هب أنّ ندوة الشورى جمعت لك عقلاء العالم لهذه الغاية من سنّ القوانين وتشريع الشرائع، ولكن من لك بأن يتّفقوا؟! وإن اتّفقوا فمن لك بأن يصيبوا؟! وإن أصابوا فمن لك بالثقة بإصابتهم حتّى تطمئن القلوب وتسكن النفوس وتتمشّى تلك الشرائع في الناس رغبة واختياراً لا إكراهاً وإجباراً وقسراً وقهراً؟!
على أنّ دون وقوع كلّ واحدة من هذه الفروض بل دون إمكانها لعقبات كؤود[١] ومهامه[٢] سود، لا يخترقها الوهم ولا يطرقها الخيال ولا يأتي عليها وميض الخطرات.
أيّ عقل يخترق بنوره غيابة المستقبل الحالك ومغبّة هذا الكون المدلهم الذي كأنّما هو ذلك البحر اللجيّ الذي: «يَغْشاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحابٌ ظُلُماتٌ بَعْضُها فَوْقَ بَعْضٍ»[٣]؟!
أيّ نافذ فكر يستطيع اقتحام ظلمات الغد ليجعل لأُمم المستقبل شرعة ومنهاجاً، يضع لها مشروعاً يلائم طباعها ويناسب أذواقها ويوافق مقتضيات
[١] - عقبة كؤود: شاقّة المصعد صعبة المرتقى.( تاج العروس ٩: ٨٩).
[٢] - المهمهة: المفازة البعيدة، والبلد المُقفِر.( القاموس المحيط ٤: ٢٩٤).
[٣] - سورة النور ٢٤: ٤٠.