الدين و الإسلام أو الدعوة الإسلامية - كاشف الغطاء، الشيخ محمد حسين - الصفحة ٢٣ - الأمر الثاني في شرف الإنسان ومقامه في الكون، وحاجته إلى التربية، وجهل العقل البشري بالمستقبل
أمسّ الحاجة إليها وأشدّ الارتباط بها والفقر لها، حتّى كأنّها هي هي الإنسان لا غيرها، بل ذلك سارٍ في جلّ أو كلّ ما في عالم الشهادة والساريات في صراط الانتقال والحركة.
أيّ أرض تُستغل ولم تُحرث، وأيّ شجر يثمر الطيّب ولم يشذّب، وأيّ حديد يقطع ولم يسنّ ولم يُذرب[١]، وأيّ جوهر يعانق جيد الحسناء أو يرتقي قمّة التاج ولم يُسوّ ويثقب، وأيّ طائر يطرب بشدوه ولم يدرّب؟!
نعم، ربّما تغلط الطبيعة أو يشاء صانعها إظهار قدرته، فتوجد الحسن الكامل المستغني عن مدّ يد التحسين إليه والتكميل له، بل تعجز كلّ يد وكلّ قوّة عن حكايته وتقليده وتصويره وتمثيله، كجناح الطاووس وأزهار الربيع وألحان بعض السواجع من الطير، ولكنّه نادر، والنادر لا يقاس عليه.
وعلى أيٍّ، فإنّ الطبيعة الخرقاء والمادّة الصمّاء العمياء تعجز عن أن تلد المهذّب الصالح الذي لا يحتاج إلى تعديل واصطناع.
وهذه ضربة على كلّ مواليدها وأبنائها لا يزال نتاجها خداجاً في نقص وتشويه وفوضى وتشويش، حتّى يستلمها الكائن الذي هو أرقى منها قدراً وأسمى مقاماً المجرّد عن لوثتها وخسّتها وعماها وجهلها، وهو جوهر العقل المجرّد الشاعر الحسّاس، فإنّه إذا دخل ما بينها واستلم شيئاً منها لمّ من شعثها وأصلح ما شاء من أمرها، حتّى أصبح يريك المعجب المدهش منها، ويبدي لك كلّ يوم طرفةً من الغرائب التي تخالها نوعاً من الإعجاز أو ضرباً من السحر.
وما هذا الكائن المحسوس المنتصب القامة المتسمّي: بالإنسان، وما
[١] - الذَرِب: الحادّ من كلّ شيء.( صحاح اللغة ١: ١٢٧).