دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٣٣٣ - التنبيه السادس في استصحاب عدم النسخ
ذلك يتوقف على مقدمة و هي بيان أمرين:
أحدهما: أن في أحكام الشرائع السابقة احتمالات:
الأول: أن يكون حكم من أحكامها مما قام الدليل على بقائه و عدم نسخه.
الثاني: أن يكون مما قام الدليل على نسخه و عدم بقائه في هذه الشريعة.
الثالث: أن يكون مما لا تعرّض له في هذه الشريعة لا نفيا و لا إثباتا.
هذا الأخير هو محل الكلام.
ثانيهما: أن حقيقة النسخ عندنا لما كانت تقييد الحكم زمانا و كان دليل النسخ كاشفا عن انتهاء أمده، فلا يجري استصحاب عدم النسخ إلّا بعد فرض أمرين، أحدهما:
فقدان الإطلاق الأزماني لدليل الحكم، ثانيهما: ثبوت الحكم في الشريعة السابقة بنحو القضية الحقيقية لعامة المكلفين؛ لا لخصوص تلك الملة.
أما الأمر الأول: فلأنه لو كان لدليل الحكم إطلاق أزماني كان هو المرجع عند الشك في النسخ لا الاستصحاب، لحكومته على الاستصحاب.
و بيانه: أن حكم الشريعة السابقة إما أن يكون وافيا بإثباته لعامة المكلفين في جميع الأزمنة للتصريح بإطلاقه الأزماني، أو ما هو كالصريح فيه، و في مثله لا يحتمل النسخ، و هذا نظير وجوب أصل الصلاة و الصوم و نحوهما من الفرائض و إما أن يكون دليله وافيا بإثباته للعموم إلى الأبد بإطلاقه المستند إلى مقدمات الحكمة، و في مثله يحتمل النسخ بالشريعة اللاحقة، إلّا إن الدافع لاحتمال النسخ هو الإطلاق لا الاستصحاب، و نسخه منوط بورود الناسخ الذي هو مقيد لإطلاق الخطاب زمانا.
و إما أن يكون متكفلا لثبوت الحكم في تلك الشريعة بنحو الإجمال كبعض الآيات الواردة لبيان أصل تشريع الأحكام بلا نظر خصوصياتها، كقوله تعالى: كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [١] حيث إنها ليست في مقام بيان تمام ما له الدخل في الصوم، فلو ثبت أصل الحكم في شريعة سابقة و شك في نسخه في الشريعة اللاحقة فيحث إنه لا إطلاق له حتى بمعونة المقدمات كان مورد النزاع في المقام من حيث جريان الاستصحاب فيه و عدمه.
و أما الثاني:- أعني: اعتبار أن يكون الحكم ثابتا بنحو القضية الحقيقية- فلأنه مع
[١] البقرة: ١٨٣.