دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٢٨٧ - التنبيه الرابع استصحاب الأمور التدريجية
و كذا الحال في الزماني كالتكلم و جريان الماء و نحوهما؛ فإن وجود كل جزء من الكلام يتوقف على انعدام جزئه السابق.
و على هذا فالأمر التدريجي سنخ وجود يتقوم في ذاته بالتركب من الوجود و العدم، و الاشتباك بينهما، و من المعلوم: أن هذا العدم المقوم للأمر التدريجي لا يعقل أن يكون رافعا له؛ لاستحالة كون مقوم الشيء رافعا له بل رافعه هو العدم البديل له أي: القاطع للحركة، كما إذا تحرك من داره إلى المسجد، فإن نفس حركته متقومة بالوجود و العدم أي: بوضع قدم و رفع أخرى، فهذا العدم دخيل في صميم الحركة و حاقها، و عادمها هو التوقف في الطريق أو الجلوس فيه للاستراحة مثلا، و ما لم يتحقق هذا العدم النقيض فالحركة واحدة حقيقة، فإذا شرع فيها فالتجددات المتصلة بالاتصال التعاقبي كلها بقاء ذلك الحادث الوحداني؛ لأن تعدد الوجود ينشأ من تخلل العدم بين الوجودات، و ما لم يتخلل العدم بينها لا يتعدد الأمر التدريجي.
إذا عرفت هذا اتضح جريان الاستصحاب في الأمور غير القارة كجريانه في الأمور القارة؛ لكون مدار حجية الاستصحاب على صدق نقض اليقين بالشك عرفا، و لما كان الأمر التدريجي واحدا بنظرهم؛ بحيث يعد أوله حدوثا و ما بعده بقاء كالأمر القار، فلا محالة يجري الاستصحاب؛ لاجتماع أركانه من اليقين بالحدوث و الشك في البقاء و اتحاد القضية المتيقنة و المشكوكة.
و لا يخفى: أن صدق النقض عرفا و إن كان كافيا في التمسك بدليل الاستصحاب؛ إلّا إن المصنف «(قدس سره)» يدعي وحدة القضيتين عقلا في مثل الزمان لاتصال أجزائه و عدم تخلل العدم بينها أصلا، فيصدق بقاء ما هو المتيقن بحسب الدقة العقلية مع عدم تخلل العدم المضر بالوحدة بأن بقاء كل شيء يكون بحسبه و الوحدة الاتصالية باقية في الزمان و الزماني، فبعد أن يصدق البقاء عقلا يصدق ذلك عرفا أيضا، فالوجود التدريجي لا يمنع عن جريان الاستصحاب. هذا هو الوجه الأول في الجواب.
و أما الوجه الثاني: فقد أشار إليه بقوله: «هذا مع إن الانصرام و التدرج في الوجود في الحركة في الأين ...» الخ.
و مرجع هذا الوجه الثاني إلى خروج الأمور غير القارة عن التصرم و اندراجها في الأمور القارة، و معه لا يبقى موضوع للإشكال لفرض وحدة القضية المتيقنة و المشكوكة حقيقة.