دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٥٧ - قاعدة لا ضرر و لا ضرار
الضرر حقيقة، ففي وعاء التشريع لا ضرر حقيقة و يسمى هذا التصرف بالمجاز في الكلمة، و يعبر عنه: بأن الحكم الضرري لا جعل له، فالضرر عنوان لنفس الحكم و محمول عليه بالحمل الشائع؛ كالحرج الذي هو عنوان الحكم و منفي في الشرع، كما هو مقتضى قوله تعالى: ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ، و هذا ما اختاره الشيخ الأنصاري «(قدس سره)»، حيث قال: «إن المعنى بعد تعذر إرادة الحقيقة عدم تشريع الضرر، بمعنى: أن الشارع لم يشرع حكما يلزم منه ضرر على أحد تكليفيا أو وضعيا، فلزوم البيع مع الغبن حكم يلزم منه ضرر على المغبون فينتفي». «دروس في الرسائل، ج ٤، ص ٢٢٧».
و منها: إرادة نفي نوع من طبيعة الضرر حقيقة بنحو المجاز في الحذف بأن يقال: إن الضرر غير المتدارك لا جعل له شرعا، فالمنفي هو الضرر لا مطلقا؛ بل خصوص الضرر لا يجبر و لا يتدارك كإتلاف مال الغير بدون الضمان، أو صحة البيع الغبني بدون جبران ضرر المغبون بالخيار، فكل ضرر متدارك بجعل الشارع للضمان أو الخيار أو غيرهما، و هذا مختار الفاضل التوني.
و منها: جعل كلمة «لا» ناهية؛ بأن يراد من «لا ضرر»: الزجر عنه و طلب تركه، نحو قوله تعالى: فَلا رَفَثَ وَ لا فُسُوقَ وَ لا جِدالَ فِي الْحَجِ [١].
إن قلت: «لا» الناهية تختص بالفعل المضارع، فلا يصح أن يقال بأنها ناهية في المقام مع كونها داخلة على الاسم.
قلت: لا يكون المراد أنها ناهية باصطلاح أهل الأدب؛ بل المراد أنها تكون مفيدة للزجر و النهي؛ لأن الجملة المشتملة عليها مستعملة في نفي الضرر إخبارا أو إنشاء بداعي الزجر عنه.
و لكن هذا الحمل بعيد، و يكون خلاف الظاهر منها، كما أن حملها على نفي الصفة و الضرر الغير المتدارك أيضا بعيد؛ بل ركيك، فيدور الأمر بين المجاز في الكلمة، و بين الحمل على نفي الماهية ادعاء، و الظاهر أنهما يرجعان إلى معنى واحد، و هو مختار المصنف «(قدس سره)»: فالنتيجة هي: أن دلالة الرواية على قاعدة ضرر واضحة.
و أما الجهة الثالثة: و هي النسبة بين قاعدة لا ضرر و بين الأدلة المتكفلة لأحكام الأشياء بعناوينها الأولية: فيكون بينهما عموم من وجه، لأن الأدلة المتكفلة لأحكام الأشياء
[١] البقرة: ١٩٧.