دروس في الكفاية - المحمدي البامياني، غلام علي - الصفحة ٢٨٥ - التنبيه الرابع استصحاب الأمور التدريجية
الإنسان و الأعراض كالعلم و العدالة و السواد و البياض.
الثاني: الأمور غير القارة، و هي التي لا تجتمع أجزاؤها في الوجود بحسب الزمان، بمعنى: أنه لا يوجد جزء منه إلّا بعد انعدام الجزء الذي قبله كنفس الزمان فإن ساعات النهار لا توجد إلّا تدريجا؛ بحيث يتوقف وجود كل ساعة منها على انعدام سابقتها، و كذا الليل و الأسبوع و الشهر و السنة و أمثالها في الأزمنة، و كذا الزماني كجريان الماء و سيلان الدم و التكلم و الكتابة و نحوها من الأمور المتدرجة في الوجود.
إذا عرفت هذه المقدمة فاعلم: أنه لا إشكال في جريان الاستصحاب في القسم الأول و هي الأمور القارة؛ لأنها كانت موجودة بجميع أجزائها في الزمان الأول، و كان وجودها متيقنا فيه، و شك في بقائها في الزمان الثاني فيستصحب بقاؤها في الزمان اللاحق لوجود أركان الاستصحاب من اليقين و الشك.
و أما القسم الثاني فهو محل الكلام؛ إذ في جريان الاستصحاب فيه إشكال.
توضيح الإشكال: أن الجزء الأول السابق المتيقن قد زال يقينا فلا شك في بقائه حتى يجري فيه الاستصحاب.
و الجزء الثاني مشكوك الحدوث، و بأصالة عدمه محكوم بالعدم.
و أما تقريب الإشكال ببيان أوضح: أن شرط جريان الاستصحاب. و هو اتحاد القضيتين المتيقنة و المشكوكة مفقود في الأمور التدريجية؛ لأن هوية الموجود التدريجي متقومة بالتصرم و التجدد و عدم اجتماع أجزائه في الوجود، فذات الأمر غير القار متقوم بالأخذ و الترك أي: بوجود جزء منه و انعدامه، ثم وجود جزء آخر منه و هكذا، و من المعلوم: مغايرة أحد الكونين للآخر، فاليقين تعلق بوجود في حد معين، و قد زال و انعدم و الشك تعلق بحدوث كونه في حد آخر، و معه لا مجال للاستصحاب لانتفاء أحد ركنيه.
و قد أشار المصنف «(قدس سره)» إلى منشأ هذا الإشكال بقوله: «فإن الأمور الغير القارة و إن كان وجودها ينصرم ...» الخ.
و حاصل الكلام في منشأ الإشكال: أن منشأه هو ملاحظة كل واحد من الأجزاء التدريجية شيئا مستقلا، و من المعلوم: أن لحاظ كل جزء بحياله يوجب هذا الإشكال.
و كيف كان؛ فمحل الكلام و الإشكال هو القسم الثاني- و هي الأمور غير القارة- و هي ثلاثة أقسام على ما جعله الشيخ «(قدس سره)»: