حاشية فرائد الأصول - الهمداني، آقا رضا - الصفحة ١٦٤ - في أصل البراءة
نستدلّ بهذه القاعدة لجواز الارتكاب في الشبهات الموضوعية التي ليس بيانها وظيفة الشارع، و كذا في الشبهات الحكمية التي علم بأنّ الشارع بيّن فيها ما هو وظيفته، و لكن اختفى علينا لبعض دواعي الاختفاء، فالشهادة المزبورة غير مجدية في مثل هذه الفروض، بل لا بدّ فيها من التشبّث بحكم آخر للعقل و العقلاء، و هو قبح المؤاخذة على ما لا طريق للمكلّف إلى العلم به، بإرشاد عقله أو دلالة الشرع، فالمراد بالبيان في المقام هو مطلق طريق معرفة التكليف، لا خصوص الاعلام، كما يوهمه العبارة، فليتأمّل.
قوله (قدّس سرّه): و الظاهر أنّ المراد ما لا يطاق الامتثال به، و إتيانه بقصد الطاعة ... الخ [١].
أقول: هذا التفسير لا يخلو من إجمال.
و توضيحه: إنّه يمتنع أن يلتزم المكلّف بفعل ليس له طريق من عقل أو نقل يرشده إلى لزومه، فإلزام المكلّف بالخروج عن عهدة ذلك الفعل الذي لم يعلم لزومه عليه، تكليف بغير المقدور، و مؤاخذته على ترك امتثال الأمر الواقعي الذي لم يعلمه قبيح، فانّه ما لم يعلم بمطلوبيّة الفعل لا يعقل أن يدعوه طلبه الواقعي المتعلّق به إلى العمل، فلا يكون بعنوان إيجاده بقصد امتثال ذلك الطلب فعلا اختياريا له.
نعم، متى احتمل كونه مطلوبا في الواقع، ربّما يبعثه الاحتمال على الخروج عن عهدة الأمر المحتمل، فيأتي بالفعل برجاء المطلوبية، فيصحّ عبادة، و لكن لا يصدق عليه اسم الإطاعة، و لا يحسن مؤاخذته على ترك الاعتناء بهذا الاحتمال ما لم يكن دليل عقلي أو نقلي يدلّ على لزوم رعايته.
و الحاصل أنّ التزام المكلّف بالخروج عن عهدة تكليف، موقوف على أن
[١]- فرائد الأصول: ص ٢٠٤ سطر ٤، ٢/ ٥٨.