الأصول - النجم آبادي، الميرزا أبو الفضل - الصفحة ٢٤٤ - أدلّة المجوّزين لحجّيّة أخبار الآحاد
علّة للإنذار، فكيف يعقل أن يصير وجوب المقدّمة و العلّة شرعيّا و وجوب ذي المقدّمة و المعلول عقليّا، مع أنّه لا إشكال في أنّ الإنذار واجب شرعا؟
أقول: يمكن أن يقال بعدم المنافاة بين كون وجوب الحذر عقليّا و مقدّمته شرعيّا، بأن يكون غرض الشارع إيجاد المنجّز العقلي، بمعنى أن يوجب الإنذار مقدّمة لحكم العقل و تحقّق الملزم العقلي، فتدبّر!
و أمّا الثاني منها؛ و هو أنّ الحذر إنّما يجب في الأحكام الواقعيّة، لأنّ التفقّه إنّما يجب فيها، و كذلك الإنذار إنّما يكون، فالحذر إنّما يجب منها، و لا ريب أنّ الحذر في الأحكام الواقعيّة موقوف على العلم، و إلّا فما يستكشف من الطرق الظنيّة فهو أحكام ظاهريّة.
وجه النظر في ذلك يظهر بعد ذكر مقدّمة، و هي: أنّ استكشاف الأحكام الواقعيّة بما هي واقعيّة لا يمكن، بل إنّما هو موقوف على استكشافها بصورها بحيث يكون النظر إلى الصور مرآتيّا، و المنظور إنّما هو الواقع، و لا فرق في هذه الجهة بين أن يكون المستكشف عالما أو ظانّا أو شاكّا، فإنّ كلّا منهم لا يرى إلّا الواقع، و لكن لا بوجوده النفس الأمري، بل بتوسّط الصور، و هذه الصور قد تطابق الواقع الحقيقي، و قد تخالف و لا يختصّ ذلك بالظنّ أو الشكّ، بل الصورة العلميّة ربّما لا تطابق الواقع، كما لا يخفى.
و بالجملة؛ كلّ ما يدرك من الصور لا يرى إلّا واقعيّا، إلّا أنّه باعتبار مراتب الإدراك يختلف المدرك، فقد يتّصف بالواقع المعلوم و قد يتّصف بالواقع المظنون أو المشكوك، و من البداهة أنّ اختلاف مراتب الإدراك لا ربط له بالصور و لا يوجب قلبها عن كونها صورا حاكية عن الواقع بمعناه المراد في الاصطلاح.