التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٦٩ - ٣/ نقد المدرسة الرواقية
٦- وأشاروا أخيراً- وهذا معنى مقالة ايبيكتيت الشهيرة" سوستين وأبستين" (sustine et Abstine) - إلى المعنى الأخلاقي للاستقلال الذاتي الداخلي (لا تتوقف الفضيلة والسعادة إلا على الرأي الذي نحمله عن الاشياء، وهذا الرأي من فعل ارادتنا وحدها).
٧- كما أشاروا إلى باطل الخيرات المزيّفة (كالثراء الخ) مما يجب ألّا يستعمله الحكيم إلا كما يستعمل" أثاثاً في فندق" [١].
وبالرغم من المساهمات الايجابية لهذه المدرسة في التأمل الأخلاقي وأثرها فيه خلال ألفي عام، فانها تنطوي على نقاط ضعف كثيرة في المنهج وفي النتائج نذكرها تباعاً:
أولًا: الخلط الغريب، بين مقام الالوهية السامق ومنزلة العبودية، وقد سبب هذا الخلط في أخطاء كبيرة وقع فيها الفكر الفلسفي عبر قرون. كلا؛ الله سبحانه أكبر وأعلى من أن يتنزل من مقام عظمته ويصبح مخلوقاً، والعلاقة بينه- سبحانه- وبين خلقه ليست العلاقة بين البحر والسحاب، أو النبع والرافد، بل هو الخالق الذي أبدع الكون إبداعاً وأنشأه إنشاءً، وهكذا فإن المسافة قائمة بينه وبين خلقه أنّى اقترب الخلق إليه [٢].
ثانياً: القلب البشري يتلقّى نوعين من الوحي، ويستمع إلى نمطين من النداء:
ألفالنداء الرحماني الذي يوحي به ملائكة الرب رحمةً منه بالبشر.
باءالنداء الشيطاني الذي منشؤه ضعف البشر وإبليسه المريد.
والمدرسة الرواقية لم تعرفنا كيفية الفصل بين هذين الندائين، ودعت الإنسان إلى التأمل الداخلي، والاستماع إلى وحي ضميره. حقاً إنه مع التمييز بين الوحيين يستطيع البشر أن يكتشف حقائق كثيرة، إلا ان المشكلة في كيفية التمييز بين الندائين، ثم ان ذلك لا يعني إلغاء دور الوحي الالهي غير المباشر للانسان عبر الرسل والكتب، والذي لم تشر إليه المدرسة الرواقية.
ثالثاً: حين اعتبرت المدرسة الرواقية الفضيلة تَقَبُّل النظام طواعية، فانها قرّبت إلينا فكرة التقوى، وهي قمية مباركة. ولكن السؤال الذي بقي عائماً وغامضاً هو: لماذا يتنازل البشر عن
[١] - المسألة الفلسفية، د. محمد عبد الرحمن مرحب (سلسلة زدني علماً)، ص ٤٥.
[٢] - ناقشنا هذه الفكرة في كتابنا العرفان الاسلامي بتفصيل.