التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١١٤ - نقد المدرسة الاجتماعية
وتلك العوامل- مجتمعة كانت أو مفردة- تدعم هذا المذهب بين الحين والآخر، ولذلك كانت أسهمه ترتفع عند توافرها ثم تهبط كلما تناقصت أو ضعفت، وهي التالية:
الأول: مساوئ المذهب الفردي، مثل الظلم الفاحش، وسوء توزيع الثروة، واستغلال المحرومين .. وهكذا. وكان هذا العامل، سبباً لتطرف الناس نحو الاشتراكية، التي هي غاية المذهب الاجتماعي في نهايات القرن التاسع عشر، وفي جميع البلاد التي تناولها التصنيع، بسبب سوء معاملة العمال، واتساع الفجوة بين طبقات المجتمع [١].
الثاني: انتشار الروح الوطنية في شعب بسبب احساس مهانة كبيرة، أو بسبب تطلّع كبير عندهم، كما نرى عند الشعب الألماني بعد الهزيمة التي مني بها في الحرب العالمية الأولى. فلما توجّه إليه هتلر باسم الجماعية، وطلب منهم التضحية بفرديتهم في سبيل الوطن لتحقيق النصر، استجابواله طائعين أو مكرهين [٢].
الثالث: المبالغة في الطهر الخلقي، ومحاولة التجرّد عن الذات للوصول إلى قمة الكمال، كما نجده عند كبار المتصوفة، وربما دعى هذا العامل المسيحية إلى مطالبة الناس بالذوبان في المجتمع.
الرابع: الخلط بين الدولة- باعتبارها حامية لحقوق الأفراد- وباعتبارها هي صاحبة حق التشريع.
نقد المدرسة الاجتماعية
إذا كان الهدف من وراء تبني المذهب الاجتماعي، إقامة العدالة ورفع الظلم بكل ألوانه، فإن من المشهود أن هذا الهدف لم يتحقق، بل انتشر الظلم الفاحش، في ظل المذهب الاجتماعي.
وإذا كان الهدف قيمة أخرى، كالأمن الوطني والتقدم الحضاري في مواجهة تحدّيات كبرى، فعلينا أن ندرس ثلاثة محددات قبل أن نقرر، أن متى يمكن أن نضحيّ بحرية الأفراد وحقوقهم الطبيعية، في سبيل تلك الأهداف.
ألف: أولوية تلك القيمة، حسب متغيرات الظروف، على الحرية الفردية؛ فمثلًا الأمن الوطني قيمة سامية تستحق التضحية بكل قيمة اخرى من أجلها، ولكن التضحية ستكون بحدود الضرورة.
[١] - راجع فلسفة القانون، ص ٨٥؛ وكذلك راجع فلسفه تاريخ، ص ٣٨٠.
[٢] - راجع فلسفة القانون، ص ٩٣.