التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٧٥ - التعقل
وقد أعطى الله الانسان بصيرة بنفسه لتكون حجة عليه، حيث يميز بين الأعذار الباطلة والصحيحة التي يلقيها.
ومن أعظم فوائد البصيرة الالهية هذه، قدرة التمييز بين الدين الفطري الذي يدعو الى الله والقيم الحق، وبين الدين المصطنع الذي يختلقه البعض ليخدم أهدافه ومصالحه. وهكذا فإن من يفعل ذلك يعلم أنه إنما يتبع باطلًا وليس دين الله الحق.
الاستبشار بآيات الله
من علامات حب المؤمن لله ولكتابه المبين وعطشه الى زيادة اليقين، أنه يستبشر بالقرآن، وتلك قيمة إيمانية، الفرح بما آتاه الله من نعم.
الكافر والمنافق يخشى أن تنزل سورة أو آية تخالف مصالحه وأهواءه، فهو لا يفرح بنعمة الوحي، أما المؤمن فقد تجاوز ذاته، وبلغ درجة كافية من التسليم للحق يجعله يفرح بكل ما ينزل من عند ربه.
التعقل
تحمل آيات الذكر من يشاء الى آفاق الحقائق حتى يشاهدها، ويشعر ببرد اليقين بها في قلبه. وهكذا حين تذكرنا الآيات بالعقل تصفه بعلاماته، وصفات من يعقل أولا يعقل، حتى يكتشف العقل نفسه، إذ النور يدل على ذاته بذاته بعد تذكرة الوحي به، وذلك لمن يشاء أن يَذَّكَّر دون أن يماري في الحقيقة.
فالعاقل الذي يستمع القول فيتبع أحسنه، بينما غير العاقل الذي لا يستمع بل لا يسمع وكأنه الصم البكم، واذا دعي الى الحق اتخذه هزواً، وتراه يردد ما يقوله الآخرون دون انتخاب أحسنه، ويقتحم فيما يهلكه، وينكر ما يعرفه العقلاء، ولا يضع الناس مواضعهم، ولا يحترم قيادته الإلهية، ولا يعرف صديقه من عدوه، فترى بأسه شديد ضد جماعته، ويتلو الكتاب ويأمر به ثم يخالفه الى غيره، ويختلق ديناً ثم يفتريه على ربه، ويعبد من دون الله مالا ينفعه ولا يضره.
والعاقل يتذكر ويعلم إنما أنزل من الوحي هو من عند الله تعالى ويوفي بالميثاق، ويدرء بالحسنة السيئة، ويعرف قيمة الحكمة الإلهية، ويتذكر بها، ويسلم لما نزل من الوحي محكمه ومتشابهه، ويعرف قيمة العلم والعلماء، ويعرف قيمة الكتاب وأهله، فتراه يتذكر بآيات القرآن بعد التدبر فيها.
أما الذين لا يعقلون فانهم شر الدواب، لأنهم يقولون سمعنا وهم لا يسمعون، ويتخذون أهواءهم آلهتهم، فهم كالانعام وأضل سبيلًا، ويعترفون بأن الله هو الذي أنزل من السماء ماءً وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة، ثم يكفرون، وترى بعضهم يسمع كلام الله ثم يحرفه.