التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٧٧ - ٣/ المذهب الأبيقوري
ثم تراه ينقلب إلى علماء الطبّ مع دولباك. ثم مع فرويد ومتشينكوف- الطبيبين الذين رعياه في المطب النفسي الحياتي- ومع هوبز في حضن الفيزياء، أو مع ماركس في كل هذه الفروع.
ولم تفقد الفكرة قوتها في أيامنا هذه، فقد نشط" متشينكوف" مثلًا و" فرويد" (وكلاهما طبيبان) لكي يبرهنا هما أيضاً على أنه لا يمكن بناء أخلاق صحيحة إلا بالارتكاز إلى معرفة الميول السيكو- بيولوجية (النفسانية- الحياتية) التي تشكل" الطبيعة الإنسانية" [١].
إلا أن المحاولة الجادة تمّت على يد دوركايم، ومحاولاته دراسة السلوك بالاختبار [٢].
٣/ المذهب الأبيقوري
قبل كلّ شيء لا بد أن نعرف أنه قد قسّمت المذاهب الطبيعية إلى قسمين:
أولًا: ما استندت إلى طبيعة الإنسان، ولم يتجاوز الطبيعة الفجّة إلى سماء الرّوح.
ثانياً: وما استندت إلى بعض فروع العلم الحديث.
والأبيقورية والمذهب النفعي من القسم الأول. أما الابيقورية (حوالي القرن الرابع قبل الميلاد) فقد تمحورت حول قيمة اللذة والتوازن بين درجتها ودرجة الألم، وحاولت أن تنطلق منها إلى بناء كيان أخلاقي متكامل، لا يعتمد على الدين والخشية من المعاد؛ بل على توازن اللذة والألم، وتجنب التي تسبب من الألم قدراً أكبر ... وقسّمت المتع إلى ثلاثة أنواع، فقالت ب-" التمييز بين الحاجات الطبيعية الضرورية من ناحية (كالطعام، والنوم والخ .. وهي سهلة الاشباع دائماً، فيكفيها بعض الماء أو الخبز أو غطاء للنوم) وبين الحاجات الطبيعية غير الضرورية من ناحية ثانية (كالرغبة الجنسية، الخ ..) التي يستسلم لها الحكيم إذا اتيحت له الفرصة، شريطة أن يتفادى دائماً (أن) تتكون (عنده) عادة تجعله عبداً لهذه الرغبات، فتسبّب له الألم- بالتالي- إذا لم يستطع اشباعها. وبين الحاجات غير الطبيعية وغير الضرورية من ناحية أخيرة (كالمجد، والثراء، والخ ..) والتي يجب على الحكيم أن ينصرف عنها، لأن الحصول عليها يتطلّب جهداً يفوق التلذذ الناجم عنها".
يجب بالتالي أن يعيش المرء، حياة متوازنة وبسيطة ومتواضعة، دون أن يبحث إلا عن لذة الصداقة (تلك اللذة الصافية المتجددة دوماً) ودون أن يؤذي أحداً (مما يجنبه التعرض للانتقام)،
[١] - المسألة الفلسفية، د. محمد عبد الرحمن مرحب (سلسلة زدني علماً)، ص ٢٦.
[٢] - المصدر، ص ٢٧.