التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٩٥ - وعي المسؤولية
بمعجزين، والله يعفو عن كثير من الذنوب. ولكن الذي يصيبنا من المصائب، فبما كسبت أيدينا، لأن الحافظ هو الله سبحانه. فاذا غيّرنا ما بأنفسنا (من الاستقامة)، غير الله ما علينا (من نعم)، ولا مردّ من قضائه.
وكل انسان يلزم طائره (الذي يكتب فيه ما فعل)، وغداً ينشر أمامه ليحاسب نفسه بنفسه. فإن إهتدى فقد اهتدى لنفسه، وإن ضل فعليها. وهكذا يوقف المجرمون يوم القيامة ليسألوا، وكل إنسان يحمل ما كسبته يداه، وهو رهين عمله يجازى غداً به؛ إن خيراً فخير، وإن شراً فشر. وهكذا ليس للإنسان إلّا ما سعى، وأنه لا تزر نفس حمل غيرها، لأنها قد حُمّلت ما يكفيها من المسؤولية.
وهكذا لايجوز ترامي المسؤولية. فلا يؤخذ منها أي عدل، ولا ينفعها أي شفيع، ولا أي ولي من دون الله سبحانه، ولا واقي للانسان من الله. وكل الأماني التي يخدع الانسان بها نفسه للتهرب من المسؤولية، انما هي خداع ذاتي. فمن يعمل سوءً يجز به، ولا احد ينصره من دون الله أو يدافع عنه.
وتتجلى المسؤولية المباشرة أمام رب العزة عند الشدّة. فكيف إذا مسك الضر دعوت ربك وحدك، ونسيت النعم التي علقت عليها الأماني. فما أغنت عن أبي لهب ثروته، ولا أغنت حضارة السابقين عنهم شيئاً، حينما جاءهم أمر الله (فدمروا تدميراً)، ولا أغنت عنهم آلهتهم التي علقوا عليها الامال.
والانسان مسؤول عن معرفته، ألّا يخطو خطوة بغير علم، لأن السمع والبصر والفؤاد (وهي وسائل المعرفة) كل أولئك كان عنه مسؤولًا. وهكذا لايجوز أن يقول عن الله ما ليس له به علم، فإنه من الافتراء على الله؛ بل البشر مسؤول عن وساوس نفسه وظنونه، وقد قال سبحانه: وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (البقرة/ ٢٨٤).
وهكذا الآلهة التي يعلق البشر عليها الآمال، إنها تتلاشى في يوم الجزاء، ولا تغني عنه شيئاً، ولا يغني مولى عن مولى شيئاً، ولا هم ينصرون.