التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٧٢ - التفكر
ويضرب الله الأمثال للذكرى، وينبه البشر الى مدى التمايز بين الأعمى والأصم، وبين البصير والسميع (مثلا) كما يذكره بما ذرء في الأرض، واختلاف ألوانه، وأنه له ما في السماوات والأرض (فهو الحاكم فيهما)، وأنه قدر الموت بين البشر، وأنه قادر على ان يبدل أمثالهم، وأنه وسع كل شيء علماً، وأنه لا شفيع إلا من بعد إذنه فلابد أن تخلص العبادة له، وانه لا يجير منه أحد، وأنه الهادي لا هادي سواه، كل تلك الاثارات تذكرة وأن عمر البشر في الدنيا يكفيه فرصة للتذكرة، وأنه يأتيه النذير.
وكما حقيقة التوحيد (وجملة المعارف الالهية) كذلك أصول الشريعة مودعة في فطرة البشر وعقله، فمن عرف الله بأسمائه الحسنى عرف تلك الأصول، وأن الله يأمر بالعدل والاحسان وايتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، وألّا يقرب أحد مال اليتيم إلّا باللتي هي أحسن، كما يأمر بالقسط في المكيال والميزان، والعدل في القول، والوفاء بالعهد، وهكذا سائر بصائر الكتاب وآياته وبيناته ذكرى لمن تذكر.
وأولوا الألباب هم الذين يستفيدون من التذكرة، لأنهم يثيرون كوامن عقولهم بآيات الله، ولذلك فان التفكر هو مفتاح التذكر.
وللتذكرة شروط أهمها توفيق الله والتقوى، وخشية الله، وأن تكون للانسان أذن واعية فيريد التذكرة بها، وألا تكون لديه مواقف مسبقة من التذكرة، وأن يكون مستعداً للشهادة على الحق. والمذكر يختار الذين يخافون وعيد الله لابلاغهم، ويترك الذين اتخذوا دينهم لهواً ولعباً وغرتهم الحياة الدنيا. وعاقبة الذين ينسون ما ذكروا به الاستدراج، ثم يأخذهم الله بغتة فاذا هم مبلسون.
التفكر
بالتفكر يثير الانسان ركائزه العقلية، ويقلب خزائن معلوماته، ويكمل بعضها ببعض، وكل آيات الله في خلقه تستدعي التفكر لنطل على الغيب من نافذة الشهود.
وقد اوصانا ربنا بالتفكر في خلق السموات والارض وما فيها من آيات الصنع والتقدير، لنعرف ربنا وأسماءه الحسنى، وأنه ما خلق الخلق باطلا، وأنه لن يتركهم سدى، ولنعرف عظيم نعمه علينا؛ كيف سخر لنا ما في الأرض، وكيف أوحى الى النحل يسقينا من بطونها شرابا فيه شفاء، وكيف جعل من أزواجنا سكنا لنا، وكيف قدر بين النوم والموت ..
وأمرنا بأن نتفكر في الرسول، وأنه لن يكون إلا نذيراً، ونتفكر في آيات الكتاب، وأنها لو نزلت على الجبال لتصدعت.