التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨٠ - بيان الحق وتفصيله
الخليقة لقوم يعلمون، كما فصلت لهم آيات القرآن (مثلًا ان الله لم يحرم زينته لعباده، وان العلاقة مع المشركين انما تتحول اذا تابوا واقاموا الصلاة وآتوا الزكاة). وكذلك فصلت آيات القرآن لقوم يذكرون (فأحد أركان العلم التذكر)، ولقوم يفقهون (الفقه درجة من درجات العلم)، ولقوم يتفكرون (والتفكر من دعائم المعرفة).
وكما الفصل كذلك البيان (وهو- فيما يبدو- إبانة الحق وفصله عن الباطل)، فان الله تعالى يبين الآيات للناس لعلهم يتفكرون ولعلهم يعقلون. (فالتفكر كما العقل والهدى واليقين والتقوى والرجوع الى الله تعالى، كل ذلك من أهداف البيان في القرآن حسب الآيات)، ومن يعقل ينتفع بالبيان، بل البيان جاء لقوم يعقلون ولقوم يوقنون.
ونستفيد من كل ذلك بصيرتين:
الأولى/ إن فصل الحق عن الباطل (والحلال عن الحرام، والهدى عن الضلال، وهكذا ..) هدف من أهداف الكتاب.
الثانية/ علينا أيضاً أن نجتهد في سبيل تحقيق هذا الهدف بالتفكر والتذكر، لأن الذين يتذكرون ويتفكرون ويفقهون ويعقلون ويعلمون (وبالتالي يستفيدون من مواهب الله تعالى لهم من أسباب الوعي والفهم) هم الذين يتلقون تفصيل القرآن وبيانه. (فالقرآن إثارة للعقل، ووسيلة للتذكر والتفكر، وبيان لمن يعلم ويفقه، وبالتالي سبيل لسعي الانسان، ونور لحركته).
والقرآن تفصيل الكتاب، والله أنزل الكتاب مفصلًا وفيه تفصيل كل شيء، وكل شيء فصله الله تفصيلًا (ولذلك فهو) لا ريب فيه، وما كان أن يفترى من دون الله.
وبالتدبر في هذه الحقيقة نتبصر بأن علينا أن نستنطق القرآن، وأن نستبين به الحقائق، ونجلي به قلوبنا من الغل واصر الحميات وأغلال الجاهلية، فإذا زكت القلوب، وتفتحت البصائر، واستثار العقل، وزهر مصباح العقل عرف البشر تفصيل كل شيء من الكتاب بتوفيق الله تعالى.
وقد أمر الله بالتبين في الأمر العسكري (وفي كل أمر)، وألا يقفو ما ليس به علم، ويعي مسؤولية جوارحه (كل ذلك من أجل أن يحس البشر بالحاجة الى العلم، وأنه من أشد ضرورات حياته، ومن أهم مسؤولياته).