التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٨٥ - ١/ نظرية التطور عند راو
والذي غاب عن (كانت) أن هذا الوجدان ليس نهاية المطاف، اذ يمكن أن يقول أحد: ما الذي يدعوني إلى اتّباعه؟! بل الوجدان بدوره من ومضات العقل البشري الذي يضيء رحاب النفس، وإذا تأملنا- عميقاً- وجدنا هذا العقل هو في كل موقع شاهد وحجة، فهو الذي يمنع التناقض، وهو الذي يعرف الحكمة في الطبيعة، وهو الذي يهدي إلى القيم الأخلاقية، وهو الذي يذكرنا بأن هذه القيم ذات أصول في الحياة، وبالتالي هو الذي يدلّنا إلى ربنا سبحانه.
المذاهب الفاعلية
حين قلب (كانت) المعادلة، فظنّ أن الإنسان هو الأصل في الأخلاق، فتح الباب عريضاً وواسعاً أمام نظريات التطوّر للتدخل في الأخلاق، ونستعرض معاً بعضاً منها:
١/ نظرية التطوّر عند راو
عند راو (Rauh) ٩٠٩١ م، الإنسان يتطور لأنه ابن الظروف المتغيرة، إذاً أخلاقه يجب أن تتطور، وقيمة القيم في الأخلاق تجربة الإنسان الأخلاقية، التي لا يمكن الاحساس بها إلا عن طريق الفاعلية. قال: بأن الواقع الأخلاقي هو دافع، أيّ شيء ما حيّ ومرتبط بالحياة، مع كونه في صيرورة دائمة على غرار الحياة. وعلى ذلك فلا يمكن الاحساس بالعامل" الأخلاقي" إلا عن طريق الفاعلية. فهناك تجربة أخلاقية تدوم مدى الحياة ونلمس مظاهرها المتعدّدة بواسطة حدس يتعدل باستمرار من خلال احتكاكه بالاحداث .. وليس هناك" واجب" بل توجد واجبات هي دائماً حركيّة وخاصة، دونما" قاعدة" كلية، وهذه تعدّدية يجب ألا تؤدي بنا إلى مذهب الشك الأخلاقي، بل إلى الاقتناع، بأنه يجب علينا أن نعيش عدداً لا متناهياً من التجارب لأجل الوصول إلى اكتمال المثل الأعلى [١].
ونقدنا لهذه النظرية يتمثل في أمرين:
الأول: في القاعدة التي انطلق منها، والمتمثلة في النسبية الذاتية، وأصالة الإنسان (عند كانت) وقد تحدثنا عنهما آنفاً.
[١] - المذاهب الأخلاقية الكبرى، ص ١٢٣.