التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٥٢ - ٧/ الفتنة
ومن آفاق الفتنة ابتلاء الناس ببعضهم، فلما اختار الرب رسله من الناس أنفسهم، فتنهم بالتسليم لهم. أليس التسليم لبشر مثلهم أشد صعوبة؟ ثم جعلهم كسائر الناس يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق، (ليكون أبلغ في الفتنة).
وفتن المؤمنين بالظالمين كما بالكافرين، وكان من دعاء المؤمنين ألّا يجعلهم فتنة لهؤلاء أو أولئك. والأموال والأولاد فتنة كما الأزواج، ومن الناس من يفتتن بالحرمان من الأولاد. والرخاء فتنة (وحتى الأمن) والحكم الصالح فتنة (كما يبدو)، والسلطة- وبالذات القضاء بين الناس- فتنة لأهلها. ووساوس النفس وتسولاتها وأمنياتها فتنة، كما تغرير الشيطان. وخشية الكفار فتنة، كما ارهابهم وسلطة الطغاة فتنة، وعلى المسلمين الجهاد حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين لله. والرسل يتعرضون لفتنة الناس (من خلال الضغط حتى يغيروا بعض الدين)، والله تعالى يثبت أنبياءه (عليهم السلام) من فتنتهم، ولقد حذر الله نبيه من الاستجابة لتلك الفتنة. والمؤمنون يتحدون فتن الأعداء بالهجرة والجهاد والصبر.
ومن أجل مقاومة فتنة الارهاب، يجب على المؤمن أن لا يجعل عذاب الله كفتنة الناس. (وليعلم أن عذاب الله أشد وأبقى)، فليصبر على هذه الفتنة لمواجهة تلك الفتنة.
والفتن المضلة هي التي يأفكها شياطين الانس والجن بين الحين والآخر، مثل العجل الذي ابتدعه السامري، ولقد حذر النبي هارون عليه السلام من تلك الفتنة بني اسرائيل؛ وكذلك اشاعة وفاة النبي بعد الهزيمة التي مني المسلمون بها في أحد، كانت فتنة.
وكان المنافقون يستأذنون الرسول في الانصراف عن المعركة، ويسألونه ألّا يفتنهم، في الوقت الذي كان فرارهم من المعركة بذاته فتنة سقطوا فيها. ومكر ثمود بالنبي صالح كان فتنة، حيث تقاسموا على قتله.
ومن الفتن اتباع ما تشابه من الآيات لخداع الذات، ولتأويل الآيات المتشابهة (لخدمة أهدافهم). وفي يوم القيامة يحلف الكفار أنهم لم يكونوا مشركين، (وهذا نوع من فتنة الذات فيما يبدو). ويبحث المنافقون عن الفتنة أنى وجدوها سقطوا فيها، (لأن نفوسهم مريضة).
ولما اختار النبي موسى عليه السلام من قومه سبعين رجلا لميقات الله ثم أخذتهم الرجفة، بيّن النبي أن ذلك فتنة لأولئك القوم (حيث عرضهم لوضع ابتلى به ما في دخيلة نفوسهم). ولما أنبأ الله تعالى عن عدة ملائكة العذاب أنهم تسعة عشر قال: وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا. ومن ذلك ما يلقيه