التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٨٦ - ٢/ الفاعلية الارادية
الثاني: في أن الفاعلية قيمة لا ريب فيها، وهي تبرز ما خفي من كيان الإنسان، وتبلور شخصيته بالاحتكاك المستمرّ مع الحوادث، ولكنها إن لم تكن وفق معايير ثابتة فانها لا تكفي الإنسان ولا تعطيه رؤية واضحة، ودليلنا إلى ذلك، حشد التجارب الفاشلة عند من يملكون الفاعلية دون رؤية، ثم إن أعظم ميزة للبشر، إنما هي قدرته على استيعاب تجارب الآخرين، وقسط كبير من القيم الأخلاقية هي تجارب بشرية متراكمة، فلماذا نتركها ونبدأ من جديد. بلى؛ التجربة الإنسانية المباشرة، هي الأبلغ نفاذاً والأغنى حكمة، ولكنها وحدها لا تكفي.
أما الحديث عن متغيرات الحياة، فهو حديث شيق، ولكن شريطة ألا ينسينا ثوابتها، ولا أحد بقادر على انكار الثوابت التي تتدفّق من خلالها حوادث الحياة، كما يتدفق تيّار الماء من خلال نهر أو انبوب، ومن دون الثوابت تضيع مواد الحياة، كما تتلاشى المياه في صحراء واسعة.
٢/ الفاعلية الارادية
أما برغسون (١٩٣٢) فقد طوّر هذه النظرية إلى بعد جديد، إذ ميّز بين نوعين من الأخلاق:
ألف- الأخلاق" المغلقة"، وهي ليست سوى ضغط اجتماعي بسيط، أو مجموعة من القواعد (الأخلاقية النابعة من العوامل) الخارجية عن الفرد والهادفة إلى تأمين توازن وحفظ بقاء الجماعة.
باء- الأخلاق" المنفتحة"، ذات الماهية الشخصية والخلاقة، وهي انفعال يعيشه الفرد فيجيش في نفسه ويتجسد على شكل" اختراعات أخلاقية" تدفع الإنسانية قدماً إلى الأمام نحو مثل أعلى من الاخاء، تتزايد كلّيته باستمرار. فهذه أخلاق قائمة على الفاعلية.، ولا يسعنا- امام هذه النظرية- الا الاشادة بهذا التأمل الاخلاقي، وبالذات في كشف قيمة الفاعلية (التي تعني عنده اخلاقية العطاء) ونضيف:
ان الانسان خلق ليتفاعل مع العالم المحيط، فجسده حيّ بالتواصل مع البيئة أخذاً (الطعام والشراب مثلًا) وعطاءً (الحركة والجنس مثلًا) وكلما ازداد تواصلًا مع بيئته ومحيطه ازداد عنفواناً وحياةً.