التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٩٥ - باء العدل
باء: العدل
ومعناه أن تقسط للناس حقوقهم، ولا تبخس منها شيئاً، وإعطاء كل جانب من الحياة حقه، وذلك كله انطلاقاً من قيمة الايمان. فمادام البشر مؤمناً بالله سبحانه، وبما خلق، وبكل حق في العالم، فهو معترف بحق الناس وحرمتهم، ملتزم سلفاً بالوفاء بهذا الحق، كما هو معترف بحق جسده وروحه وعقله. وبالنسبة إلى مختلف الحاجات تراه معترفاً بحقها كل بقدر؛ (مثلًا الطعام والشراب والسكنى والجنس والترفيه و ..).
وهذه هي" العدالة" التي اعتبرها أفلاطون حاكمة على عالم المثل، ولا بدّ من تطبيقها على الأرض. واعتبرها أرسطو القيمة الاولى من قيمه الثلاث (بالإضافة إلى العقل والحب)، ولعلّها هي مراد أبيقور في الحياة المتوازنة، إذ أن التوازن بين سائر اللذات نوع من العدالة الفردية (الإعتدال في السلوك).
ويبدو ان هوبز اتّخذ من أبيقور هذه النظرة، حين دعا إلى ايجاد التوازن بين الشهوات الجزئية، كما جعلتها اليهودية الأصل الثاني (بعد طهارة القلب)، واعتبرتها المسيحية أقل الواجب، أما المذاهب الأخلاقية الحديثة فقد أشادت بها وإن اختلفت في تبريرها، فقد اعتقد كانت ب- (سيادة الغايات) وأن يجعل الإنسان إرادته متفقة مع ارادات الآخرين.
والتضامن المنفعي عند (متشنيكوف) والذي اعتبره ذروة السعادة، إنما هو جانب من جوانب العدالة. والنظرات السائدة في أميركا (الواقعية) تدعو إلى ايجاد توازن بين مختلف الحقوق والقيم (رسكو باوند مثلًا).
أما القرآن الحكيم فقد اعتبر العدالة هدف الرسالات، حيث قال ربنا سبحانه: لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ [١]. وقال عن العدالة حتيمع الاعداء: يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلّهِ شُهَدَآءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ عَلَى الَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى [٢].
[١] ١- الحديد/ ٢٥.
[٢] ٢- المائدة/ ٨.