التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٩٠ - ٢/ المذاهب الأخلاقية تتكامل
٢/ المذاهب الأخلاقية تتكامل
هل خلق الكون من غير شيء؟ أم جاء صدفة من ضمير الغيب بلا سبب؟ إذاً فما هذا النظام الحكيم القائم فيه؟
وإذا كان الإنسان واحداً من الكائنات الذي يتفاعل مع العالم المحيط به، فما هي علاقته بها، هل يؤثّر فيها أم يتأثر بها، هل يصنعها أم تصنعه؟ وبالتالي هل يساهم في مصيره أم تقوده الطبيعة العمياء إلى حيث لا يدري؟
وأهم من ذلك، هل يعقل الإنسان شيئاً؟ أم إن كل شيء عليه غيب خفي؟ وإذا كان يعقل فمن قال إنّه يعقل حقاً؟
كل هذه الأسئلة هي التي تصدّت الفلسفة للإجابة عنها، وجاءت كل فلسفة ببضاعتها في هذه السوق النافقة.
ألف- ففريق كفر برب العالمين، أو قال: بأن ذي العرش عاجز، وأنّه قد فاضت عنه الخليقة، كما تفيض من العين الروافد، ومن دون وعي منه أو قدرة، وهكذا فقد فوّض إلى الخلق شؤونهم، فلا وحي ولا رسالة ولا أخلاق توحى ولا قيم تتنزّل على الناس من الأعلى.
وأكثر المذاهب الفلسفية تنتمي- بالتالي- إلى هذا الرأي، ثم تفرّقوا- بدورهم- في تفسير الأخلاق وتطبيقاتها أيّما اختلاف.
ولكن المؤمنين بالله الرحمن الرحيم، آمنوا بأن الله لم يتركهم سُدى، وأنّ رحمته لا تزال تتنزل عليهم، وأن قدرته محيطة بهم، وأنه قد أنزل عليهم رسالاته نوراً وضياءً، وأنها تهديهم إلى سبل السلام في أخلاقهم وقيم حياتهم، فكانت قاعدة الأخلاق عندهم الوحي .. ولا ريب أن الأديان السماوية تنتمى إلى ذلك، وإليها يرجع أيضاً بعض المذاهب الأخلاقية الكبرى؛ مثلًا الفيض الأفلاطوني، وعالم المُثُل عنده، والوجودية المؤمنة وآخرون ..
باء- وحين يعود البشر إلى نفسه، ويستنطق ضميره، هل يجد في داخله ما ينطق ويتحدث من عقل أو إرادة أو عواطف؟ وهل يعبّر ذلك الناطق عن الإنسان أم عن الطبيعة المحيطة به؟.
١- فريق قالوا بلى؛ والعقل هو الناطق، وسمّاه البعض بالارادة (هيجل)، والآخر بالنيّة الحسنة (كانت)، وهو العقل عند أفلاطون وأرسطو. و. ولقد كانت هذه قاعدة الأخلاق عندهم.