التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٩٢ - ٣/ جوهر الأخلاق
وهكذا كانت مصادر الأخلاق ثلاثة؛ الوحي والعقل والطبيعة. إلا أن الوحي يذكّر بالعقل الذي يهيمن- بدوره- على الطبيعة ويختار من متاعها ما يشاء. فهو ليس ريشة وسط عواصفها الهوج، كما تصوّرت المذاهب الطبيعية أو العلمية الحديثة.
والإنسان لا يختار شيئاً بلا معيار كما تصورت الوجودية، والارادة الهيجلية أو النية الحسنة الكانتية، ليستا مصدر الأخلاق الوحيد .. لأن الطبيعة أيضاً ذات أثر، كما ان الوحي يهدي ويذكّر ويهذب النفس ويلقي بالأصول العامة. أما الفاعلية، فانها متأخرة بدرجة من الأخلاق. فالأخلاق ضياء، والفاعلية حركة. الأخلاق صراط، والفاعلية المسير عليه، وهي بالتالي هدف الأخلاق وليس ذات الأخلاق. بلى؛ الأخلاق بلا فاعلية إطار بلا محتوى وحروف بلا معاني. ومن أراد وعي الحقائق بلا حركة، كان كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه. وحسب آية شريفة" والذين جاهدوا فينا لنهدينّهم سبلنا" [١].
وما يقودنا إلى الفاعلية، بصائر أخلاقية شتى.
أولًا: إن اندماج البشر بالحقيقة يتم بالتحرك في عمقها وتطويرها.
ثانياً: إن السعادة لا تتحقق إلا بالتواصل مع الحقيقة أخذاً (الطعام) أو عطاء (الذرية).
ثالثاً: أمام الإنسان فرص لاتنتهي للتكامل، وفي الحياة امكانات لا تحدّ للتطوير، ورسالة الإنسان التكامل. (وهذه أصدق فطرة في ذاته) وتطلّعه الدائم في التطوير.
وليس ذلك عن نقص في مشيئة الله سبحانه، أو قدرته المطلقة. ولكن لأنّه قد شاء الله أن يجعل الإنسان حراً يختار ما يشاء ويتحمل مسؤولية اختياره، ولأنه سخّر ما في الأرض لمصلحة الإنسان وأمَرهُ أن يستفيد منها في سبيل الخير، ولأنه حمّل البشر هذه الرسالة.
هكذا جاءت البصيرة الدينية جامعة لسائر الأبعاد الإيجابية للمذاهب الفلسفية ومهيمنة عليها جميعاً، بالإضافة إلى ما فيها من رؤى علمية لا يوجد أثر لها عند المذاهب الفلسفية.
٣/ جوهر الأخلاق
ما هي قيمة القيم، وجوهر الأخلاق، وأصل كل خير، وبالتالي أم الفضائل؟
قال أفلاطون تبعاً لسقراط: الأخلاق علم (وأراد به كل ما يتصل بالفكر).
[١] - العنكبوت/ ٦٩.