التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٧٨ - ٤/ مذهب المنفعة
ودون أن يحسد أحداً .. كما يجب أن يتحمل الألم (إنه لا يدوم أبداً ويمكن محاربته بأسلوب مدروس قائم على استحضار الذكريات السعيدة). وعلى أيّ حال فإن الحكيم يستطيع دائماً هجر الحياة إذا اصبحت لا تطاق (كما يغادر غرفة اصبحت مليئة بالدخان) ما دام الموت ليس أمراً يبعث على الخشية.
ولكن المشكلة التي غابت عند أبيقور وأصحابه، أن جماح اللذة عن البشر، لا يكبحه سوى الايمان بالآخرة، لذلك تجد النتائج الخطيرة لهذه النظرية، حيث أصبحت شعاراً لكل الفساق والمستهترين بالقيم، والخارجين على القانون وحسب غريغوار:
يتّضح لنا مما سبق أن" ابيقور" يصل بالنتيجة إلى إحياء الفضائل التقليدية؛ التعفّف، والصداقة، والشجاعة، والخ .. ولكن هذه الحكمة العذبة والعقلانية (والتي تقوم ميزاتها الرئيسية على تذكير الناس بأن الألم يتوقف، بنسبة كبيرة، على التقدير الذي نضعه نحن ذاتنا للأشياء) كان من نصيبها أنها (لاقت من النجاح بسبب مقدماتها أكثر مما لاقته بفضل نتائجها) على حدّ تعبير" ريفو" .. بل وأصبح المفهوم غالباً مما يعنيه الانضمام إلى الابيقورية (بالنسبة لروما مثلًا) البحث المنهجي الأمثل عن المتع السهلة [١] ..
بالاضافة إلى ذلك فان الابيقورية تضرب في المثالية حتى الاعماق، حيث أنها تفرض وجود حياة هادئة وبسيطة، ورجال حكماء يقدّرون مستوى الألم ومستوى اللذة، ويقدرون أيّهما أعظم، (وهذا- بالطبع- عملية صعبه ومحفوفة بسوء التقدير غالباً)، كما ويستطيعون ضبط أهواءهم بإرادة صلبة.
٤/ مذهب المنفعة
أحيت الفلسفة الحديثة المدرسة الأبيقورية في القرن الثامن عشر، وحاولت أن تبني المدرسة النفعية هرم القيم على قاعدة المنفعة، أو اللذة. وهذه المدرسة قامت على أنقاض المدرسة الابيقورية. إلا أنها طعمتها ببعض الأفكار المسيحية، حيث وسعت حدود كلمة اللذة (المنفعة) حتى شملت اللذة المعنوية مما جعلت الكلمة قريبة من معنى السعادة.
[١] - المسألة الفلسفية، د. محمد عبد الرحمن مرحب (سلسلة زدني علماً)، ص ٩٢- ٩٣.