التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٦١ - ٢/ مصدر شرعية القيمة
ألّا يشرك هذا المبدأ في منطقه اضطر إلى اختلاق هذا المنطق الجدلي لحل مشاكله، ونتساءل هل لهذا المنطق الجدلي من البرهان ما ليس لمبدأ الخير المطلق حتى يكون هذا دليلًا على ذلك؟ كلا.
ثانياً: هذه الجدلية لا تعترف وبصورة حاسمة بحق لأيّ شيء سوى الإنسان، (حقوق الحيوان مثلًا) ولكن ذات الطباق الجدلي الذي اثبت به قيمة الارادة المطلقة (بعد الارادة الكلية) يمكن اجراؤه لاثبات حقوق سائر الكائنات، صحيح انها لا تملك ارادة وبذلك لا تستحق حقاً، ولكنها تملك وجوداً وللوجود حقوق بقدره حسب وجداننا الذي به اعتقدنا بالحق لصاحب الارادة.
وبتعبير آخر: لماذا آمنا بحق صاحب الارادة؟ أليس بالوجدان، فكيف نطق الوجدان لحظة ثم سكت؟ ألا يمكن إستنطاقه؟ وكيف ان مجموعة من القواعد المترتبة على ذلك الوجدان حجة ولكن ليس ذات الوجدان حجة، ومَثَلُ هؤلاء، مثل من استنبط ماء ثم اجراه عبر سواقي في مزرعة، فلما نقص الماء اخذ يرشّ على سائر الأرض منه رذاذاً، فقيل له ألا تستنبط الماء من بئر جديدة؟ فقال: لا إنما الماء فقط هو الذي ينبع من البئر الاولى. كلا الماء هو الماء، والبئر هي البئر، والقدرة على إستنباط الماء موجودة دائماً، فلا داعي لذلك النبع والاكتفاء برذاذ الماء بل في بعض الاحيان بخيال الماء، أليس كذلك؟
ثالثاً: النظرية المادية تبدأ من محيط ضيق ولكنها لا تلبث أن تتوسع بطريقة غير منتظمة، ولا مبررّة، فتقع في تناقضات كثيرة، وعادة تتوسل ببعض التعميمات غير المبررة لحل الاشكالية، بينما النظرة الاسلامية (الالهية) تبدأ بالايمان والاعتراف بكل الحقيقة، وتجعل للحقيقة اطاراً كبيراً وواسعاً (الروح، العقل زائد العاطفة، الإنسان زائد الكائنات). فلا تناقض ولا صراع ولا محاولات حل لهما.
والمشكلة الكبرى عند هذه المذاهب عدم قدرتها على ايجاد أساس متين للاخلاق، ولحقوق الإنسان، بل حقوق سائر الكائنات (الاحياء أو الاشياء).
فعلى" نظرية الاهتمام"، عند بيري، ونظرية" الارادة الحرة" عند هيجل ونظرية" أنا" الوجودية ما هو أساس الأخلاق والاعتراف باهتمامات الآخرين وبإراداتهم وبوجوداتهم؟