التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٦٣ - كيف ولماذا ندرس فلسفة الأخلاق؟
يعرف- بفطرته- إن الاعتراف بالشيء إعتراف بحقه، ولكنه اليوم ينكر هذا التلازم ويقول: من قال إن القيمة تنبع من وجود الاشياء، ومن قال إن الاعتراف بالشيء يورث التزاماً؟ كلا إنما القيمة نفسك ولا غير.
ويبدو إن التطور الطبيعي للفكر المادي يقودنا إلى الوجودية الملحدة التي تبلورت عند (هايديغر وسارتر) وزعمت ان اصل القيم" انا" وجودك ووجودي (نفسك ونفسي). وهذا تطور طبيعي لعملية القلب التي قام بها" كانت" حيث أراد أن يجعل النفس مصدر القيم- كما فعل غاليلو حيث جعل الشمس محور الوجود- من هنا رأى" روبر" ان الوجودية، مفهوم كانتي جداً من حيث" صورتيه" فالموجود هو المصدر الوحيد للقيم، وهو ما يماثل عند" كانت" الارادة الحسنة [١].
وهذا هو مأزق المادية، اذ حسب سارتر، لا شيء، لا شيء يبرّرني لو تبنيت هذه الفكرة أو تلك [٢].
إذاً لماذا الاعتراف بوجود الآخرين، وما هي صفة الالزام في البناء الاجتماعي والأخلاقي؟
فاذا ألغينا الآخر فلماذا الأخلاق، واذا اعترفنا به فما الفرق بينه وبين غيره من سائر الكائنات؟
كيف ولماذا ندرس فلسفة الأخلاق؟
إنما نهدف من خلال دراسة فلسفة الأخلاق (في المذاهب الفلسفية الكبرى) معرفة هدف الحياة الأسمى والقيمة الأساسية فيها. وتتخذ هذه الدراسة أهمية كبرى، لأن إنكار الماديين العقل والروح والأخلاق العلوية، أدخل الفكر البشري في مآزق؛ فمن جهة لا يمكنه أن ينكر الحقائق القائمة فيما وراء الذات، لأنه آنئذ يقع في المشكلة التي هرب منها، لأنه في الأساس يريد أن يفلسف الأخلاق بصورة أو بأخرى ولكنه- من جهة ثانية- لا يمكنه أن يبررها لأنه جعل القيمة في الذات. وبتعبير أوضح؛ الفكر المادي إذا أنكر الحقائق وراء الذات تجرد من
[١] ١- انظر المذاهب الأخلاقية، ص ١٢٨.
[٢] ٢- المصدر، ص ١٢٩.