التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٣٠ - تمهيد
ويومئذ يعي بصائر الوحي بصورة أمثل، ويميز بها ما ينفعه من جديد العصر عما يضره، وما ينفعه من تراث الأولين عما يضره.
ذلك لأن ممارسات المسلمين في التاريخ- كممارسات المسلمين اليوم- ليست كل احتمالات الحضارة الاسلامية، بل إن بعضها كان ولايزال غطاء يخفي اشراق الاسلام الحقيقي.
إن الاسلام الحق، يمكن أن يعطي الانسانية حضارة روحية مادية، عظيمة المنفعة والروعة؛ وعلينا ان نستخرج من (كنوز الاسلام) حضارة أسمى.
فمن خلال نظرة سريعة إلى القرآن الكريم نجد أن الله تعالى لم يبين فيه إلا أحكاماً قليلة، وركزفي بقية آياته- على منظومة من القيم التي أراد ترسيخها في وعي الأمة بشكل كامل؛. إنما فعل ذلك ليفتح أمام الأمة أبواب التطور ..
والنبي محمد صلى الله عليه وآله لم يكتب لنا أسفاراً مطولة في التشريع، انما بين أصول العلم والحكمة ورسخ قيم القرآن بتشريعاته الرشيدة، ثم وجه الأمة الى خلفائه المعصومين، فقال: (إني تارك فيكم الثقلين ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي، كتاب الله وعترتي أهل بيتي) [١].
وخلفاء الرسول عليه وعليهم السلام لم يؤلفوا كتباً مطولة في الأحكام الفقهية، إنما قالوا" علينا بالأصول، وعليكم بالفروع" ووجهوا الأمة من بعدهم الى الفقهاء، وقالوا: (وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها الى رواة أحاديثنا) [٢].
ولكن السؤال: هل قمنا نحن- حسب مسؤوليتنا الدينية- بتطوير الأحكام وفق متغيرات العصر؟ أم تمسكنا بالجانب الثابت من الشريعة وضخمناه وأعدنا صياغته من جيل الى جيل، بينما المتغيرات تركناها لاجتهادات الناس؟
وتبعاً لذلك هناك مئات الاسئلة العريضة حائرة اليوم وتتطلب أجوبة صحيحة وواقعية وواضحة، فأنّى لنا بذلك.
لو لم تصبح القضايا اليومية الملحة هي محور الدراسة، ولم نعالجها بشجاعة و حكمة، ولو لم تتم التضحية بكثير من التقاليد التي أصبحت عند البعض من المقدسات، فان حسابنا سيكون عسيراًأمام الله ثم أمام التاريخ.
[١] - بحار الأنوار، ج ٢، ص ١٠٠.
[٢] - المصدر، ج ٥٣، ١٨١.