التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١١٥ - جيم المدارس الوسطى
أما التقدم الحضاري- الذي يتخذه البعض تبريراً للتضحية بحقوق الأفراد- فإنه يستحق ذلك في ظروف معينّة دون غيرها. (عندما تواجه الأمة تحدّيات كبرى لولا الاستجابة لها، تتلاشى الأمة؛ وبالتالي عندما يصبح التقدم الحضاري ضرورة أمنية، فيعود إلى قيمة الأمن، والتي قلنا أنها تسبق كل قيمة).
باء: تحديد الضرورة الأمنية أو الضرورة الحضارية، إنما يتمّ عبر سلطة شرعية مقبولة عند الأمة. إذ من دون ذلك، تدعي كل سلطة أن الضرورة الأمنية تقتضي التضحية بحريات الأفراد، والاعتداء على حقوقهم الطبيعية.
جيم: يجب التأكد من عدم امكانية تحقيق القيمة- التي نسعى إليها- مع المحافظة على حقوق الأفراد، علماً بأن التأكد من هذا الأمر يعتبر أمراً صعباً.
وحسبما يقول (د. كاتوزيان): في المجتمع الذي تهدف كل القوانين فيه المحافظة على السلطة، لا نستطيع أن ننفي إمكانية تحول حقوق الإنسان فيه إلى لعبة لأهواء الطبقة الحاكمة. فاذا كنا نخشى في المجتمع الحر من اعتداء الشركات الكبرى والرأسماليين على حقوق الآخرين، مستخدمين ثرواتهم، أفلا يحق لنا أن نخشى مثل ذلك في مجتمع تحتكر السلطة كلّ القوى ووسائل الانتاج، وتملك أيضاً ناصية القانون؟ [١]
جيم: المدارس الوسطى
بعد فشل المذهب الاجتماعي بعد المذهب الفردي في توفير القيم العليا، التي ينشدها الإنسان بفطرته من العدالة والتقدم، شرع الخبراء في البحث عن مذهب جديد، يوفّر كرامة الفرد وحريته، وفي ذات الوقت يؤمن أكبر قدر ممكن من العدالة الاجتماعية. ولكن ما هو المعيار؟
فإذا لم يكن الفرد قيمة مطلقة ولا المجتمع، فما هي القيمة المطلقة؟
يبدو أن هناك ثلاثة مشاريع حلّ لهذه المعضلة:
أولًا: تبني المذهب الفردي بعد اصلاحه بزخم من القوانين التي تحدّ من سورته، وتهذبه، وتشبعه بالروح الاجتماعية. وهذا ما نجده في الدول الغربية.
[١] - فلسفة حقوق، ص ٣٨٧.