التشريع الإسلامي مناهجه و مقاصده - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٢٠ - الأحكام العقلية
وفي موضعٍ آخر من هذا البحث نتحدث بإذن اللَّه عن بعض الملاحظات على المنهج الفلسفي ولكنّا هنا نجري علىالمصطلح الاصولي ونقول: يرى الفقهاءقدّس اللَّه أرواحهم- أن حجية القطع ذاتية، ولا مجال للمناقشة فيها، وهيأصل كل حجةٍ أخُرى.
ولكي نثير ركام الأفكار التي تجمعت في هذا الحقل الشائك، لنبلغ الحقائق الدفينة، لا بدّ أن نطرح التساؤلات المتدرجة التي تشابكت مع بعضها، وربما طرحت بصورة غير مرتبة؛ والتساؤلات هي:
أولًا: هل العقل يجب اتّباعه بعيداً عن حكم الشريعة، حتى إذا حكم بشيء وجب الانصياع له دون أن نسأل عنحكم الشرع فيه؟
ثانياً: وإذا حكم العقل بشيء فهل الشريعة تحكم به أيضاً، حتى تصدق المقولة المعروفة: ما حكم به العقل حكم بهالشرع؟
ثالثاً: والمناهج العقلية المتبعة في القضايا الفلسفية، مثل أقيسة المنطق الأرسطي، هل هي مناهج مناسبة ومأمونةللتعرّف على الأحكام الإلهية؟
رابعاً: وإذا توصّلنا إلى حكمٍ شرعي عبر هذه الأقيسة أو عبر الجفر والرمل والسبل غير المتعارفة، فهل يجب شرعاًالتعبّد به فيما إذا وصلت قناعتنا به إلى درجة القطع واليقين؟
يبدو لي أن خلط هذه الأسئلة ببعضها جعل الحديث مشوشاً حتى وكأن البحث في مواضيع مختلفة. مثلًا يقولالمحدث [١]: لا يمكن حصول القطع عبر المناهج العقلية المعروفة. فيجيبه الأصولي: فإذا افترضنا وحصل القطع ماذا نفعل؟ إنك ترى أن الحديث لا يجري في موضوع واحد، بل في موضوعين مختلفين، وقد أشار إلى ذلك الشيخ الآخوند فيالكفاية، حيث قال: (وأما في مقام عدم جواز الاعتماد على المقدمات العقلية لأنها لا تفيد إلّا الظن كما هو صريحالشيخ المحدث الأمين الاستر آباديرحمه الله) [٢].
وأنّى كان فإنّ علاقة العقل بالشرع قضية في غاية الخطورة، وقد تشعَّبت الأحاديث حولها إلى علوم كثيرة، ابتداءًمن الفلسفة، وانتهاءً بعلم الأخلاق، ومروراً بالكلام والأصول والفقه.
[١] - نقصد به المتبع للطريقة الاخبارية.
[٢] - راجع كفاية الأصول، مباحث حجية مطلق القطع.